بقلم الفنان الباحث: البشيري بنرابح.
في زمن تتسارع فيه التحولات الكونية، وتغزو العوالم الرقمية تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد الحديث عن المواطنة مجرد موضوع في دروس التربية أو شعار في خطب المناسبات، بل أصبح سؤالًا وجوديًا يفرض نفسه بإلحاح: ماذا يعني اليوم أن تكون مواطنًا؟ وهل ما زال لهذا الانتماء معنى في عصر تتلاشى فيه الحدود وتتفكك فيه الروابط؟
لقد كانت المواطنة منذ فجر الفلسفة تعبيرًا عن انتماء وجداني وعقلي وروحي بين الإنسان وجماعته، بين الفرد والدولة، بين الحرية والمسؤولية. لكنها لم تكن يومًا منحة تُعطى أو هوية تُعلّق على جدران الإدارات، بل كانت فعلًا وموقفًا وممارسة تنبض بالحياة في تفاصيل العيش المشترك. في اليونان القديمة، وُلد هذا المفهوم في سياق طبقي يستثني المرأة والعبد والأجنبي، لكنه مع ذلك فتح النقاش الفلسفي حول العلاقة بين العدالة والانتماء، بين الحقوق والواجبات.
من أفلاطون الذي اختزل المواطنة في الطاعة والانسجام مع النظام، إلى أرسطو الذي ربطها بالمشاركة السياسية، ثم إلى من نادى لاحقًا بمفهوم كوني يتجاوز حدود القبيلة والمدينة… كانت المواطنة في تطور دائم، من الانتماء العرقي إلى الانتماء القيمي، من الامتيازات إلى المساواة، من الطاعة إلى الفعل الواعي والمسؤول.
لكن هذا التطور اصطدم في عصر العولمة بواقع جديد قلب الموازين: مواطن يعيش في عالمين، واقعي هش لا سلطة له فيه، وافتراضي يُشعره بالانتماء الكاذب. عالم تحوّلت فيه المواطنة من التزام أخلاقي إلى مجرد ورقة انتخابية، ومن تضحيات جماعية إلى مصالح فردية. فالرقمنة، كما حذّر المهدي المنجرة، لم تكن مجرد انتقال تقني، بل كانت اختراقًا ثقافيًا يستهدف الهوية والانتماء، ويُفرغ المواطن من إحساسه بالمشاركة والارتباط.
في زمن تُختزل فيه العلاقة بالوطن في تغريدة أو منشور، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف نستعيد قيمة المواطنة في عصر يُقاس فيه الوجود بعدد المتابعين لا بعمق الانتماء؟ كيف نُربي المواطن على الوعي لا على الانقياد؟ على الفعل لا على التلقي؟ كيف نعيد للوطن روحه، وللانتماء معناه؟
إن المواطنة، كما قال روسو، ليست عقدًا سياسيًا بل أخلاقيًا. هي التزام قبل أن تكون حقًا، وعطاء قبل أن تكون مكسبًا. هي، كما عبّر جون كينيدي، سؤال الإنسان لنفسه: ماذا قدّمتُ أنا لوطني؟ لا ماذا قدّم لي وطني.
وفي زمن تضيع فيه البوصلة، تصبح العودة إلى القيم ضرورة لا ترفًا، ويصبح بناء المواطن الفاضل شرطًا لبناء المجتمع الفاضل. فالوطن لا يُبنى بالحياد، ولا يُصان بالتغافل، ولا يستقيم إلا إذا فهمنا أن المواطنة لا تُمارَس أمام الشاشات بل في ساحات الفعل والتضامن والمسؤولية.

