مصطفى مجبر
في قلب الأطلس المتوسط، حيث كانت “ضاية عوا” تسكن ذاكرة الأجيال كرمز للطبيعة الخلابة والسكينة الجبلية، صار المشهد اليوم يُلخّص مأساة بيئية مؤلمة. البحيرة التي لطالما شكّلت وجهة للراحة والاستجمام، تحوّلت إلى أرض قاحلة متشققة، تنعى في صمت ما تبقى من مجدها الغابر، وسط استياء شعبي متصاعد وغياب تام لأي تدخل ملموس من الجهات المسؤولة.
ورغم أن التفسير الرسمي يربط جفاف “ضاية عوا” بعوامل مناخية، فإن الرواية التي يتداولها السكان المحليون تنسف هذه الفرضية، لتكشف عن معطيات أخطر. فالمياه التي كانت تغذي البحيرة لم تجف بفعل الطبيعة، بل تم تحويلها في الخفاء، وفق شهادات متقاطعة، إلى مصالح خاصة تستغل الثروات المائية دون رقابة، على غرار ما وقع سابقاً في “عين السلطان” بإيموزار كندر، حيث تحوّلت مياه الثلوج إلى مادة أولية لمعامل تعبئة المياه المعدنية.
اختفاء البحيرة لا يعني فقط زوال مشهد طبيعي فريد، بل يفضح منظومة من التجاهل والاستغلال تقف وراء استنزاف الثروات المائية، وسط غياب إرادة سياسية لحماية الإرث البيئي والسياحي. وبينما تصرخ الأرض عطشاً، يصرّ السكان على المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين في ما يصفونه بـ”النهب البيئي المنظم”.
المرارة تتعمق مع كل زيارة إلى المكان، حيث تحلّ صدمة الواقع محل ذكريات النزهات العائلية وزيارات الزوار القادمين من مختلف أنحاء المغرب. وما يُضاعف من فداحة المشهد، هو أن هذه الخسارة الإيكولوجية ما كانت لتقع لولا الاستهتار واللامبالاة، في زمن تزداد فيه الحاجة إلى حماية الموارد الطبيعية أكثر من أي وقت مضى.
اليوم، تقف “ضاية عوا” كرمز صارخ لفشل السياسات البيئية في التصدي لجشع لوبيات الماء، ولتُذكّر الجميع بحقيقة حزينة: ما يُؤخذ باسم “التنمية” على حساب الطبيعة لا يعود، وما ضاع من ماء لن تعوّضه دموع الحنين

