- حزب “الأحرار” ومأزق القوة الناعمة: كيف يُعمّق الفكر التراجعي لمحيط محمد شوكي أزمة الجذب الحزبي؟
يونس لكحل
لم تعد قيادة المشهد السياسي المعاصر تقتصر على امتلاك “القوة الصلبة” المتمثلة في الأغلبيات العددية داخل البرلمان أو قيادة الحقائب الوزارية الوازنة او استقطاب اصحاب المال والاعمال ، بل أصبحت “القوة الناعمة” القائمة على الجذب وصناعة التعاطف الشعبي وبناء الصور الذهنية الإيجابية من خلال الفكر والخطاب الإقناعي هي العملة الحقيقية للاستدامة السياسية، ومن هذا المنطلق يتضح جليا ان حزب التجمع الوطني للأحرار في المغرب يعيش مفارقة صارخة، فبينما يهيمن على التدبير الحكومي ومفاصل الإدارة التنفيذية، فإنه يعاني من جفاف حاد في قوته الناعمة وعجز واضح عن إنتاج خطاب إيديولوجي سياسي اقتصادي اجتماعي يلامس تطلعات المجتمع المغربي الذكي والمسيس بعد التحولات على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي ، وهذه الأزمة البنيوية لم تعد مجرد قصور تواصل عابر، بل تعمقت بشكل لافت مع الصعود التنظيمي الأخير للقيادي محمد شوكي، وتحديداً بسبب طبيعة “النخبة” والمقربين المحيطين به في دوائر القرار الحزبي، إذ يشير واقع الحال وقراءات المتابعين للمشهد السياسي إلى أن المقربين من شوكي يمتلكون فكراً تراجعياً وتقليدانياً لا يتماشى مطلقاً مع التحولات السريعة وديناميات الحقل السياسي المغربي الحالي، ويتجلى هذا الفكر الرجعي في العجز التام عن استيعاب التحولات السوسيولوجية للمواطن المغربي الذي لم يعد يقتنع بالوعود الجافة أو لغة الأرقام الصماء بل بات يبحث عن المعنى والمشروع المجتمعي المتكامل بل لغة الاعيان وأصحاب ( الشكارة ) لم تعد تجدي في شيء !! ، بالإضافة إلى استمرار المحيطين بالرجل في اجترار أساليب تدبيرية عتيقة تقوم على الولاءات الضيقة والترضيات الحزبية وعقلية “المتحكم صاحب – الشكارة -والمريدين !” بدلاً من فتح الباب أمام الكفاءات الفكرية الحقيقية القادرة على مقارعة الخصوم سياسياً وإعلامياً، وهذا الارتداد عن المكتسبات الحداثية والتحصن بأساليب التحكم التقليدية والتحالفات النفعية يتناقض جملة وتفصيلاً مع التطور الديمقراطي الذي يشهده المغرب، مما يترك الحزب في حالة عزلة فكرية تترجم على أرض الواقع بضعف الهوية التواصلية والعجز عن الدفاع عن الحصيلة الحكومية بشكل مقنع، ليتحول التنظيم تدريجياً إلى بيئة طاردة للأكاديميين والمثقفين والشباب الحداثي، حتى ان القراءات و التحليلات تكشف هذه المعطيات في عمقها وهو أن حزب “الأحمامة” يعيش اليوم تخمة في السلطة وفقراً مدقعاً في الفكر، و للاستمرار كرقمنة أساسية في المستقبل يتطلب ثورة ثقافية داخلية تبدأ أولاً بتطهير محيط القيادات الصاعدة من الفكر التراجعي النفعي، والقطع مع الأساليب الكلاسيكية في تدبير النفوذ، والانفتاح الحقيقي على مغرب الكفاءة والتواصل الذكي، لأن أي قوة لا تسندها حاضنة فكرية وقوة ناعمة حقيقية تظل قوة هشة وآيلة للسقوط عند أول منعرج سياسي حقيقي.
وفي عمق هذا التحليل الواقعي ، يتضح أن أزمة غياب القوة الناعمة في محيط محمد شوكي رئيس الحزب الكفؤ ،ليست مجرد كبوة تنظيمية عابرة، بل هي مؤشر على معضلة بنيوية كبرى تهدد المستقبل الاستراتيجي لحزب التجمع الوطني للأحرار؛ ذلك أن ارتهان القيادات الصاعدة لبطانة غارقة في الفكر الرجعي والتقليدانية النفعية يعكس عجزاً حاداً عن الانتقال بالتنظيم من منطق “الحزب التكنوقراطي والماكينة الانتخابية اللحظية” إلى منطق “المؤسسة السياسية الفكرية المستدامة”. وهذا التراجع قد يعزل الحزب شعبياً وثقافياً عن الدينامية السياسية الحداثية للمجتمع المغربي ، ويحرمه من القدرة على بناء شرعية شعبية حقيقية تتجاوز منطق الهشاشة السياسية تلك التي تفرضها وقائع العزوف الانتخابي في محطات سابقة ، مما يعني في نهاية المطاف أن الاستمرار في تغييب الكفاءات الفكرية والاعتماد على عقلية التحكم القديمة سيجعل من الحزب جسداً بلا روح سياسية، ومجرد ظاهرة انتخابية عابرة تفتقد المناعة الفكرية اللازمة للصمود أمام أول تحول أو منعرج سياسي حقيقي في البلاد…

