اختلال التوازن في المدن الصغرى: قلعة السراغنة نموذجا… من إهمال ممتد داخل الأسرة والمحيط إلى فضاء رقمي يضخم الانحراف ويحول الجريمة من واقعة إلى نموذج يحتذى به .

اختلال التوازن في المدن الصغرى: قلعة السراغنة نموذجا… من إهمال ممتد داخل الأسرة والمحيط إلى فضاء رقمي يضخم الانحراف ويحول الجريمة من واقعة إلى نموذج يحتذى به .

جليلة بنونة

لم تعد حوادث السرقة والاعتداء بالضرب والجرح في مدن مثل قلعة السراغنة أخبارا طارئة و عاجلة بل مؤشرات على تحول أعمق يتشكل بصمت. الظاهرة لا تختزل في أفعال فردية غير مألوفة بل تكشف عن اختلالات متراكمة تبدأ من الأسرة، وتتغذى من الهشاشة الاقتصادية قبل أن تجد في الفضاء الرقمي منصة للتضخيم وإعادة الإنتاج.

البداية من البيت و الأسرة دائما، فهناك تتحدد ملامح التوجيه أو يتكرس الغياب. حين تتراجع المتابعة أو يغيب أحد الوالدين أو تسود القسوة كبديل عن التربية، يفقد القاصر الإطار الذي يضبط سلوكه.

غير أن الأخطر هو ما يرتبط بالمسار الدراسي. في حالات متكررة لا ينظر إلى التعليم كاستثمار بل كعبء يمكن الاستغناء عنه نظرا للهشاشة الاقتصادية لبعض الأسر . فيترك الأبناء دون مواكبة، أو يدفع بهم مبكرا إلى سوق شغل هش لا يستوعبهم أصلا. النتيجة فراغ قاس ، لا مدرسة لتؤطر ولا عمل ليدمج. في هذا الفراغ تتحول السرقة أو المتاجرة بالمخدرات و الاقراص المهلوسة و الكسب غير المشروع إلى خيار سهل وسريع.

خارج البيت، يتكفل الشارع بالباقي. مجموعات الأحياء توفر شعورا بالانتماء لكنها تفرض منطقها … إثبات الذات بالقوة وفرض الحضور عبر العنف. هنا لا تكون الجريمة دائما بدافع الحاجة بل كوسيلة لاكتساب المكانة داخل المجموعة. ومع شبه الغياب لبدائل حقيقية من فضاءات رياضية أو ثقافية او تأطيرية ، يصبح هذا المسار هو الأقرب والأيسر.

العامل الاقتصادي يعمق أكثر هذا المسار. الفقر لا يصنع الجريمة بشكل مباشر لكنه يخلق شروطها. الإحساس بالحرمان مقابل صور استهلاك متداولة يوميا، يدفع إلى البحث عن المال خارج القنوات القانونية.
في المدن الصغرى، حيث الفرص محدودة والاقتصاد غير المهيكل حاضر بقوة، يصبح الانتقال من “خليه يخرج يترجل” إلى سلوك إجرامي أمرا تدريجيا وغير صادم.

في قلب هذا المشهد يبرز دور الفضاء الرقمي و ما عرف بالمدونين للأخبار. بعض الصفحات والمدونين لا يكتفون بنقل الوقائع، بل يعيدون صياغتها بشكل مثير، يضخم الأفعال ويمنح مرتكبيها حضورا لافتا. تتداول الألقاب والصور و الفيديوهات ، وتروى التفاصيل بطريقة تجعل من الجريمة مادة للمتابعة. هذا التناول حتى إن لم يكن مقصودا، يساهم في منح الجاني مكانة رمزية داخل محيطه وأقرانه.

و بالنسبة لقاصر يبحث عن الاعتراف، يصبح العنف وسيلة للوصول إلى نفس “الشهرة” من منظوره المحدود.
للأسف هذه الصفحات اختارت التفاخر بالمعلومات و المصدر اكثر من معالجة الظاهرة ، بل قد تنشر موازاة مع البحث و التحقيق الامني و تكشف ما لا يجب كشفه، و تحذر من لا يجب تحذيره. فتصبح إضافة لكونها المساهمة في الإنتاج المعرقلة ايضا لتطبيق القانون.

هكذا تتشكل حلقة مغلقة: أسرة غائبة أو عاجزة، مسار دراسي مهمل ، شارع يفرض منطقه، اقتصاد يضغط، وفضاء رقمي يضخم النموذج و يعرقل القانون . داخل هذه الحلقة يتحول العنف إلى لغة يومية لا لكونه خيارا واعيا دائما بل لأنه السلوك الوحيد المتاح والمفهوم.
ما يجري في قلعة السراغنة و كل نظيراتها من المدن الصغرى ليس انفلاتا مفاجئا، بل نتيجة توازن مختل استمر طويلا. كسر هذا المسار لا يمر فقط عبر التدخل الأمني، بل عبر استعادة أدوار ضائعة، أسرة تعيد الاعتبار للتربية والتعليم، ومحيط يوفر بدائل حقيقية، وخطاب رقمي يتوقف عن تحويل الجريمة إلى عرض مفتوح. لأن ما يعرض اليوم كواقعة، يتحول غدا إلى نموذج يحتذى به بين الاقران.

الاخبار العاجلة