مصطفى مجبر
لم يكن المشهد في أزرو، قبل مرحلة معينة، مجرد اختلاف في وجهات النظر بين الفاعلين، بل كان أقرب إلى حقل ألغام مؤجل الانفجار. نقابات غاضبة، جمعيات حقوقية في حالة استنفار دائم، إعلام محلي لا يتردد في توجيه النقد، وسلطة محلية بدت في لحظات كثيرة وكأنها جزء من الأزمة بدل أن تكون مفتاحًا للحل. التوتر لم يكن عابرًا، بل كان بنيويًا، يتغذى من تراكمات غير محسومة، ومن تداخل المصالح بشكل معقد.
في هذا المناخ المشحون، حلّ باشا أزرو عبد الحميد الزريري، قادمًا من تجربة لا تقل صعوبة بمدينة جرادة، حيث الاحتجاج ليس استثناءً بل جزء من يوميات المجال. لكن ما وقع في أزرو لم يكن تكرارًا لنفس السيناريو، بل إعادة كتابة لقواعد الاشتغال بشكل هادئ… وذكي.
منذ الأيام الأولى، لم يُسجل على الرجل اندفاع نحو الواجهة، ولا تصريحات نارية، ولا حتى محاولات لاستعراض السلطة. بالعكس، اختار ما يمكن تسميته بـ“تكتيك الظل”: حضور هادئ، إنصات طويل، وقراءة دقيقة لخريطة التوتر. لم يواجه الغضب، بل امتصه. لم يصطدم بالفاعلين، بل أعاد ترتيب المسافات معهم.
المثير في هذه التجربة، أن التحول لم يكن صاخبًا، بل حدث بصمت. أطراف كانت إلى وقت قريب في حالة تصعيد دائم، بدأت تدريجيًا تخفف من حدة خطابها. قنوات التواصل التي كانت مقطوعة، عادت لتُفتح دون إعلان. حتى الاحتجاج، الذي كان يأخذ طابعًا تصعيديًا، فقد جزءًا من زخمه. وكأن شيئًا ما تغيّر… دون أن يُقال.
لكن خلف هذا الهدوء، كانت هناك معركة أخرى تُدار بعيدًا عن الأضواء. مصادر متطابقة تتحدث عن مقاومة صامتة واجهها الباشا من داخل “دوائر غير مرتاحة” لإعادة ترتيب الأوراق. شبكات اعتادت الاشتغال في هوامش السلطة، ونسج علاقات مع بعض المسؤولين السابقين، وجدت نفسها فجأة أمام واقع جديد: قواعد مختلفة، ورقابة أشد، وهوامش أضيق.
الزريري، بحسب نفس المعطيات، لم يدخل في مواجهة مباشرة مع هذه الأطراف، بل اختار تفكيك نفوذها تدريجيًا. لا قرارات صادمة، ولا تصفية حسابات مكشوفة، بل إعادة ضبط دقيقة لمراكز التأثير، جعلت كثيرًا من “الامتيازات غير المعلنة” تتبخر بهدوء. هنا بالضبط تظهر ملامح أسلوبه: حزم بلا استعراض، وتغيير بلا صخب.
في المقابل، اشتغل الرجل على جبهة أخرى لا تقل أهمية: إعادة بناء الثقة. لقاءات غير معلنة، تواصل مباشر مع الفاعلين، ولغة خطاب خالية من التوتر. لم يكن الهدف كسب المعارك، بل كسب الزمن… وتحويله لصالح الاستقرار.
غير أن البعد الأكثر عمقًا في هذه التجربة، يكمن في الطابع الدبلوماسي الذي يطبع شخصية الباشا. فالرجل لا يدير الاختلاف بمنطق الغلبة، بل بمنطق التوازن. يتقن فن ترك المسافة الكافية لكل طرف كي يُعبّر، دون أن يسمح بتحول ذلك إلى صدام. يستعمل لغة هادئة لكنها محسوبة، ويميل إلى بناء التوافقات بدل فرضها. هذا النفس الدبلوماسي جعل منه فاعلًا قادرًا على تحويل التوتر إلى قابلية للحوار، والاحتقان إلى تفاوض غير معلن.
بل إن طريقة اشتغاله توحي وكأنه يمارس “دبلوماسية داخلية” داخل المجال الترابي، حيث تتقاطع المصالح وتتنازع الشرعيات. لا يُقصي، ولا يصطدم، بل يعيد ترتيب العلاقات بخيط رفيع من التوازن، يجعل الجميع حاضرًا… دون أن يكون أي طرف قادرًا على فرض إيقاعه.
اللافت أيضًا، أن شخصية الباشا لعبت دورًا حاسمًا في هذا التحول. هدوء لافت، قدرة على ضبط النفس، ونوع من “البرود الإيجابي” في التعامل مع الأزمات. هذه الخصائص لم تكن مجرد صفات شخصية، بل تحولت إلى أدوات تدبير، مكنت من تفكيك كثير من بؤر التوتر دون الحاجة إلى التصعيد.
اليوم، تبدو أزرو أقل صخبًا… لكن ليس لأنها خالية من المشاكل، بل لأن طريقة التعامل معها تغيّرت. الاحتقان لم يختفِ كليًا، لكنه لم يعد يتحكم في إيقاع المدينة. وهذا في حد ذاته تحول مهم.
ما حدث في أزرو ليس معجزة إدارية، بل درس في كيفية إدارة المجال الترابي بعقل بارد. حين تفشل المقاربات التقليدية القائمة على الصدام أو التجاهل، قد يكون الحل في شيء أبسط… وأكثر تعقيدًا في نفس الوقت: فهم اللعبة، ثم إعادة ترتيبها… دون أن يشعر اللاعبون بأن القواعد تغيّرت… وبنَفَس دبلوماسي يجعل الجميع يعتقد أنه جزء من الحل، لا جزء من المشكلة.

