عاشوراء بين الأمس واليوم… هل تغيرت المناسبة أم تغير الإنسان؟

عاشوراء بين الأمس واليوم… هل تغيرت المناسبة أم تغير الإنسان؟

جليلة بنونة

كانت ليلة العاشر من محرم، إلى عهد قريب، ليلة تنتظرها الأسر بلهفة وفرح. لم تكن عاشوراء مجرد مناسبة دينية، بل كانت مناسبة اجتماعية بامتياز، تعيد للعائلة دفء اللقاء، وللأزقة روح التضامن، وللأطفال براءة اللعب. كانت البيوت تفوح برائحة الفواكه الجافة، وتتعالى أصوات النساء بالأهازيج الشعبية الموروثة، بينما يجري الأطفال في الأزقة يحملون ألعابا بسيطة لا يتجاوز ثمنها بضع دراهم، لكنها كانت كافية لرسم ابتسامة لا تنسى.

لم تكن هناك قنابل صوتية، ولا مفرقعات تحاكي أصوات الحروب، ولا نيران تلتهم الأزقة، ولا سيارات تحترق، ولا سيارات إسعاف تجوب الشوارع بحثا عن ضحايا في ليلة كان يفترض أن تكون ليلة فرح.

أما اليوم، فقد انقلب المشهد رأسا على عقب. ففي كل سنة، ومع حلول عاشوراء، تتحول بعض الأحياء إلى ما يشبه ساحات مواجهة مفتوحة. نيران تشتعل في الطرقات، ومفرقعات تحدث دويا يرعب الأطفال وكبار السن، ودراجات نارية تستعرض الفوضى، وشباب يركضون بين ألسنة اللهب وكأنهم يحتفلون بانتصار مجهول.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل تغيرت عاشوراء أم تغير الإنسان؟
الحقيقة أن المناسبة لم تتغير، فهي منذ قرون تحمل رمزية دينية واجتماعية معروفة، لكن الذي تبدل هو الإنسان، وطريقة فهمه للفرح، وكيفية تعبيره عن نفسه.


لقد أصبح العنف، لدى بعض الشباب، لغة للتعبير عن الوجود. ينتظرون عاشوراء بأحر الأنفس، لأنها بالنسبة إليهم فرصة لإطلاق ذلك العنف المكبوت وتفجيره بكل الأشكال. وكأن النار أصبحت بديلا عن الحوار، والمفرقعات بديلا عن الضحك، والفوضى بديلا عن الاحتفال.

إنها ليست أزمة عاشوراء، بل أزمة مجتمع.
فالطفل الذي كان ينتظر دمية أو مسدسا بلاستيكيا، أصبح يبحث عن أقوى مفرقعة وأشدها انفجارا، لأن ثقافة الاستعراض فرضت نفسها. لم يعد المهم أن يفرح، بل أن يخيف الآخرين، وأن يصور مقطعا ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ويحصد آلاف المشاهدات.

لقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في صناعة ثقافة جديدة، حيث أصبح الخطر نفسه وسيلة للبحث عن الشهرة. فكلما ارتفعت ألسنة اللهب، وكلما كان الانفجار أقوى، اعتبر البعض أن الاحتفال كان «ناجحا».
لكن خلف هذه المقاطع التي تبدو للبعض مسلية، تختبئ مآسي حقيقية.

كم من طفل فقد إحدى عينيه بسبب مفرقعة؟ وكم من شاب انتهى به الأمر في قسم المستعجلات بسبب حروق خطيرة؟ وكم من امرأة حامل أصيبت بحالة هلع نتيجة الانفجارات المتتالية، كانت لها مضاعفات صحية مؤلمة؟ وكم من مسن عاش ساعات من الرعب، ظنا منه أن المدينة تعيش كارثة حقيقية؟
بل إن بعض الحرائق التي أشعلت في الأزقة امتدت إلى سيارات وممتلكات خاصة، وألحقت خسائر مادية جسيمة، في مشهد لا علاقة له بالاحتفال ولا بالتراث.

ورغم الحملات الاستباقية التي تقوم بها السلطات كل سنة، من خلال حجز المفرقعات الخطيرة، ومنع بيع المواد القابلة للاشتعال، وتشديد المراقبة الأمنية، فإن بعض مظاهر الانفلات ما تزال تتكرر، لأن الحل الأمني وحده لا يكفي، بل يجب أن تضطلع كل مكونات المجتمع بدورها، لأن المشكل أعمق من مجرد مخالفة للقانون، بل يرتبط بالتربية، والأسرة، والمدرسة، والإعلام، والفضاءات الثقافية والرياضية التي أصبحت نادرة أو غائبة في كثير من الأحياء.

لقد تغير أيضا مفهوم الفرح نفسه. ففي الماضي كان الإنسان يفرح بما يجمع الناس، أما اليوم فأصبح بعضهم يفرح بما يلفت الانتباه، ولو كان على حساب سلامة الآخرين. إنها الفردانية التي جعلت اللذة الشخصية تتقدم على المصلحة العامة، وجعلت البعض لا يرى في الشارع فضاء مشتركا، بل ساحة يفعل فيها ما يشاء.

ولا ينبغي أن تتحول عاشوراء إلى موسم لتبادل الاتهامات بين الأجيال. فليس كل شباب اليوم عشاقا للفوضى، كما أن الماضي لم يكن مثاليا بالكامل. لكن المؤكد أن المجتمع يعيش تحولات عميقة في منظومة القيم، وأن مظاهر العنف التي تطفو في عاشوراء ليست سوى مرآة تعكس ما يختزنه المجتمع في بقية أيام السنة.
وعاشوراء ليست هي التي تغيرت، بل نحن الذين غيرنا طريقة عيشها، وطريقة فهمها، وطريقة الاحتفال بها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا قبل حلول عاشوراء المقبلة:
هل نريد أن نورث أبناءنا ذكرى جميلة كما ورثناها نحن عن آبائنا، أم نورثهم موسما للخوف والحرائق والدموع؟
وحينها فقط، لن تكون عاشوراء هي التي ماتت… بل سيموت فينا المعنى الذي كانت تحمله.

الاخبار العاجلة