متابعة// ليلى جاسم
تستعد مدينة الصويرة لاحتضان واحدة من أبرز التظاهرات الثقافية والفنية على الصعيدين الوطني والدولي، من خلال الدورة السابعة والعشرين لمهرجان كناوة وموسيقى العالم،الممتدة من 25 الى 27 يونيو، الحدث الذي نجح على مدى أكثر من ربع قرن في ترسيخ مكانته كفضاء استثنائي للحوار الموسيقي والتبادل الثقافي، وكمنصة عالمية تحتفي بالتنوع والانفتاح والإبداع.
فمنذ انطلاقته الأولى، لم يكن مهرجان كناوة مجرد مناسبة فنية تجمع عشاق الموسيقى، بل تحول إلى مشروع ثقافي متكامل يساهم في تثمين التراث الكناوي المغربي، ويمنحه بعداً عالمياً من خلال لقاءات موسيقية تجمع بين الفنانين المغاربة ونظرائهم من مختلف القارات. وقد نجح المهرجان في جعل مدينة الصويرة قبلة للفنانين والباحثين والجمهور المتعطش لاكتشاف تجارب موسيقية فريدة تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية.
وتأتي الدورة الحالية ببرنامج فني غني ومتنوع يعكس فلسفة المهرجان القائمة على الانفتاح والتجديد، حيث تحتفي بمختلف التعبيرات الموسيقية التي تنهل من التراث المغربي والأمازيغي والإفريقي والعالمي، في لقاءات إبداعية تؤكد قدرة الموسيقى على بناء الجسور بين الشعوب والثقافات.
ومن أبرز الأسماء المشاركة في هذه الدورة الفنانة الأمازيغية الكبيرة فاطمة تبعمرانت، التي تعد واحدة من أهم الأصوات النسائية في الساحة الفنية المغربية. فبفضل مسيرتها الطويلة وأعمالها التي تمزج بين الشعر الأمازيغي الأصيل والالتزام الثقافي، استطاعت أن تتحول إلى رمز فني وثقافي بارز، وأن تسهم بشكل كبير في التعريف بالهوية الأمازيغية داخل المغرب وخارجه. ويترقب جمهور المهرجان ظهورها على منصة الصويرة لما تمثله من قيمة فنية وإنسانية استثنائية، ولما تحمله أعمالها من رسائل تعكس عمق الثقافة المغربية وتنوعها.
كما سيكون عشاق الموسيقى البديلة على موعد مع مجموعة “هوبا هوبا سبيريت”، التي راكمت على امتداد أكثر من خمسة وعشرين عاماً تجربة فنية متميزة جعلتها من بين أكثر الفرق المغربية تأثيراً وشعبية. وتمكنت الفرقة البيضاوية من خلق هوية موسيقية خاصة بها عبر مزج أنماط متعددة تشمل الروك والريغي والإيقاعات الإفريقية والتأثيرات الكناوية، إلى جانب نصوص تعكس هموم المجتمع المغربي وتحولاته. ويُنتظر أن تقدم المجموعة عرضاً فنياً يختزل مسارها الطويل ويؤكد مكانتها الراسخة في المشهد الموسيقي الوطني.
وفي سياق الانفتاح على المشاريع الموسيقية المبتكرة، يخصص المهرجان مساحة مميزة لمشروع “بوب المغرب”، الذي انطلق سنة 2011 في إطار إقامة فنية إبداعية هدفت إلى إعادة قراءة الإرث الموسيقي لأسطورة الريغي العالمية بوب مارلي من منظور مغاربي معاصر. ويقدم هذا المشروع تجربة فريدة تتداخل فيها الإيقاعات الجامايكية مع الأنغام المغربية والإفريقية، في حوار موسيقي يعكس قيم الانفتاح والتلاقح الثقافي التي تشكل جوهر مهرجان كناوة.
ويتميز المشروع باعتماده على الآلات التقليدية المغربية إلى جانب التوزيعات الحديثة، ما يمنحه شخصية فنية مستقلة قادرة على مخاطبة جمهور واسع من مختلف الخلفيات الثقافية. كما يعكس هذا العمل قدرة الموسيقى على تجاوز الحدود وصناعة مساحات مشتركة بين الشعوب، وهو ما ينسجم تماماً مع الرؤية التي يحملها المهرجان منذ تأسيسه.
ومن بين أبرز العروض المنتظرة أيضاً مشروع “AZMZ” أو “روح العصر”، الذي تقدمه “بنات اللوز أند راسكاس”، وهو عمل فني يجمع بين الموسيقى والصورة في تجربة إبداعية معاصرة تستند إلى التراث الأمازيغي وتعيد تقديمه برؤية حديثة. ويأتي هذا المشروع ثمرة مسار من البحث والتجريب الفني انطلق ضمن الإقامات الإبداعية “تكشبيلة” التي أطلقتها الجمعية المغربية للموسيقى الإلكترونية.
ويجمع العرض بين فرقة أحواش النسائية “بنات اللوز” المنحدرة من تافراوت والثنائي الموسيقي “راسكاس” من الدار البيضاء، في لقاء استثنائي بين الغناء الأمازيغي الجماعي متعدد الأصوات وإيقاعات سوس التقليدية من جهة، والموسيقى الإلكترونية والبوست روك والفنون البصرية المعاصرة من جهة أخرى. ويشكل هذا المزج نموذجاً حياً لما يمكن أن ينتجه الحوار بين التراث والحداثة من أشكال فنية جديدة قادرة على استقطاب الأجيال المختلفة.
ولا يقتصر دور مهرجان كناوة وموسيقى العالم على تقديم عروض موسيقية فقط، بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في التنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية لمدينة الصويرة. فخلال أيام المهرجان تتحول المدينة إلى فضاء مفتوح للحوار والتلاقي، حيث تستقبل آلاف الزوار من المغرب وخارجه، ما ينعكس إيجاباً على الحركة الاقتصادية ويعزز إشعاع المدينة كوجهة ثقافية عالمية.
كما يشكل المهرجان مناسبة لإبراز غنى التراث المغربي وتنوعه، وللتأكيد على مكانة المملكة كأرض للتعايش والانفتاح والتعدد الثقافي. فمن خلال برمجته المتنوعة ولقاءاته الفنية العابرة للحدود، يساهم الحدث في تقديم صورة مشرقة عن المغرب كفضاء للإبداع والتبادل الحضاري.
وبعد سبع وعشرين دورة من النجاح والتألق، يواصل مهرجان كناوة وموسيقى العالم تأكيد مكانته ضمن أبرز المهرجانات الثقافية الدولية، محافظاً على روحه الأصلية القائمة على الحرية الفنية والانفتاح والتجديد. وفي كل دورة جديدة، يثبت المهرجان أن الموسيقى ليست مجرد فن للترفيه، بل لغة إنسانية عالمية قادرة على التقريب بين الثقافات وصناعة لحظات استثنائية تظل راسخة في الذاكرة.
وهكذا، تبدو الصويرة مرة أخرى على موعد مع أيام استثنائية تنبض بالإبداع والحياة، حيث تتحول أزقتها وساحاتها ومنصاتها إلى فضاءات تحتفي بالموسيقى كقيمة إنسانية مشتركة، وتؤكد أن الفن يظل دائماً أحد أقوى الجسور التي تربط بين الشعوب والحضارات.

