الخيانة الصامتة: عندما يتحول الغياب البرلماني إلى تواطؤ سياسي

الخيانة الصامتة: عندما يتحول الغياب البرلماني إلى تواطؤ سياسي
مصطفى مجبر
مصطفى مجبر

مصطفى مجبر// المغرب العربي بريس

في لحظات الاختبار الحقيقي تسقط الأقنعة وتنكشف المسافات الشاسعة بين الخطاب والممارسة.
تمرير مشروع قانون الصحافة المثير للجدل لم يكن مجرد محطة تشريعية عادية بل لحظة كاشفة لعمق الأزمة التي يعيشها العمل البرلماني ومسؤولية التمثيل السياسي.
لم يحتاج الأمر إلى إجماع واسع ولا إلى أغلبية مريحة بل ستة أصوات فقط كانت كافية لحسم التصويت مقابل خمسة بفارق صوت واحد حدد مصير مهنة بأكملها وأغلق الباب أمام نقاش مجتمعي ظل محتدماً لأسابيع.

غير أن جوهر الفضيحة لم يكن في التصويت ذاته بل في ما سبقه ورافقه من غياب متعمد.
المقاعد الفارغة داخل قبة البرلمان كانت أكثر بلاغة من أي خطاب سياسي وأكثر خطورة من أي تصويت مباشر.
في لحظة يُفترض أن تكون ذروة الأداء النيابي وميدان الدفاع عن الديمقراطية وحرية التعبير اختارت أطراف تصنف نفسها ضمن “المعارضة” أن تغيب وأن تترك المجال مفتوحاً لتمرير نص كانت تعلن رفضه جهاراً.
هذا الغياب لا يمكن تبريره بالخطأ أو الصدفة بل يرقى إلى خيانة صامتة للثقة الشعبية وتواطؤ فعلي مع ما يُفترض أنهم خصوم سياسيون.

الأكثر عبثية في المشهد أن هؤلاء البرلمانيين يتقاضون تعويضاتهم من المال العام ليس من أجل الدفاع عن مصالح المواطنين أو حماية حرية الصحافة بل لإتقان سياسة الهروب ساعة الحسم. يجيدون رفع الصوت أمام عدسات الكاميرات لكنهم يصابون بالعجز عندما يتعلق الأمر بالفعل التشريعي الحقيقي.
هكذا يتحول البرلمان بفعل هذا السلوك، من مؤسسة دستورية يفترض أن تحمي الديمقراطية إلى مسرح هزلي أبطاله ممثلون محترفون في قراءة النصوص لا في صناعة القرار.

وتبلغ هذه المهزلة ذروتها عند التوقف عند موقف حزب الحركة الشعبية، الذي يُفترض أنه أكبر قوة معارضة داخل مجلس المستشارين بعدد 12 مستشاراً.
تابع الرأي العام زعيم الحزب وهو يطلق خطاباً نارياً ضد مشروع قانون الصحافة متوعداً ومندداً وكأن البلاد على أعتاب مواجهة سياسية كبرى. لكن حين دقت ساعة الحقيقة، تلاشت تلك “الثورة” الموعودة ولم يحضر من الحزب العدد الكافي لقلب موازين التصويت.
سقط الخطاب، وانكشف أن ما قُدم للرأي العام لم يكن سوى استعراض إعلامي وضجيج بلا فعل فيما كانت الترتيبات الحقيقية تُحسم بعيداً عن الأضواء.

النتيجة لم تكن مجرد تمرير قانون مثير للجدل بل ضربة قاسية لمفهوم المسؤولية السياسية، وشهادة وفاة لمصداقية معارضة اختارت الغياب بدل المواجهة.
إنها لحظة تؤكد أن بعض المعارك التي تُخاض في الإعلام ليست سوى حروب وهمية تُستخدم لتخدير الرأي العام، بينما يُترك الصحافيون والمواطنون وحدهم في مواجهة تبعات تشريع مرّ بفعل الصمت والتواطؤ. في هذه اللحظة، سقط القناع نهائياً وانكشف أن الصراخ العالي لم يكن سوى غطاء لصمت مدوٍّ عند الفعل وصمت أخطر من أي تصويت.

الاخبار العاجلة