تاونات بين عهدين.. حين يرحل المسؤول وتبقى القيم

تاونات بين عهدين.. حين يرحل المسؤول وتبقى القيم
مصطفى مجبر
مصطفى مجبر

مصطفى مجبر

في حياة الأقاليم كما في حياة الأمم، تمر لحظات تختبر فيها الذاكرة الجماعية صدق الانتماء ومعنى الوفاء.
ورحيل عامل إقليم تاونات سيدي صالح دحا شكّل واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يتوقف فيها الجميع، لا للوداع فحسب، بل للتأمل في دلالة المرحلة وما تركه الرجل من أثر في الميدان.

لم يكن دحا من أولئك الذين يتحدثون كثيرًا أو يملأون الفضاء بالخطابات، بل كان من صنف المسؤولين الذين يتركون عملهم ينطق عنهم. هادئ، دؤوب، وملتزم بمنطق الدولة لا بمنطق المزاج.
اشتغل على الملفات بصبرٍ ومسؤولية، فكان حاضراً في الميدان أكثر مما كان في المنصات، مؤمنًا بأن التنمية الحقيقية لا تُدار من المكاتب بل من قلب الميدان، بين الناس ولأجلهم.

تاونات، التي عرفها عن قرب، شهدت خلال فترته دينامية غير مسبوقة في مقاربة القرب، وفي إعادة بناء الثقة بين المواطن والإدارة، وهي دينامية لم تمر دون أن تترك بصمتها الواضحة في وعي الساكنة وفي ملامح التغيير.

ومع ذلك، لم تخلُ التجربة من أصواتٍ حاولت أن تزعزع الصورة، فخرجت فئة محدودة ترفع شعارات الرفض دون أن تمتلك مشروعًا بديلاً أو رؤية متبصّرة.
لكن الوعي الجمعي في تاونات كان أقوى من أن يُستدرج إلى جدل عابر، لأن المجتمع المحلي أدرك أن تقييم المسؤول لا يكون بالصراخ، بل بحصيلة العمل ونتائج الميدان.

في لحظة الوداع، عبّرت تاونات عن نُضجها المؤسسي والإنساني.
لم يكن وداع صالح دحا مجرد إجراء إداري أو بروتوكول روتيني، بل كان لحظة اعتراف جماعي بمسار رجل مارس السلطة بنَفَس الخدمة، لا بنَفَس السيطرة، وترك خلفه توازناً نادراً بين الحزم والتواضع.

اليوم، ومع استقبال العامل الجديد، تفتح تاونات صفحة جديدة في مسارها التنموي.
الآمال معلقة على أن تستمر روح العمل الميداني، وأن تتعزز جسور الثقة التي شُيّدت خلال السنوات الماضية. فالتغيير الحقيقي لا يقوم على محو ما كان، بل على البناء المتدرّج على ما تحقق.

رحل صالح دحا، لكن درسه الإداري باقٍ: أن المسؤولية ليست موقعاً، بل رسالة، وأن الأثر لا يُقاس بحجم التصفيق، بل بعمق ما يُترك من أثر في الناس وفي الأرض.

ومن هذا المنطلق، فإن تاونات اليوم، وهي تودّع مرحلة وتستقبل أخرى، مدعوة إلى أن تجعل من لحظة الانتقال مناسبة لترسيخ ثقافة الاستمرارية والاعتراف، لا ثقافة النسيان والقطيعة.

الاخبار العاجلة