
في الوقت الذي يُفترض أن تبقى جمعيات المجتمع المدني صوتًا حرًّا يدافع عن هموم المواطنين ويعبر عن المصلحة العامة برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تهدد مصداقية هذا النسيج الحيوي وهي ولاء بعض الجمعيات للأحزاب السياسية وتحولها إلى أدوات دعائية أو أذرع موازية لخدمة النفوذ الحزبي.
لم تعد بعض الجمعيات في عدد من المدن المغربية تخفي انتماءها السياسي بل صار رؤساؤها يعلنون ولاءهم لأحزاب بعينها ويشاركون في أنشطتها ويستغلون موارد الجمعيات ومشاريعها لكسب تعاطف المواطنين في مشهد يختلط فيه ما هو مدني بما هو سياسي.
هذا السلوك وفق العديد من المتتبعين يتنافى مع روح القانون ومع المبادئ الأساسية للعمل الجمعوي الذي يجب أن يبقى مستقلاً ومحايدًا.
يقول الأستاذ الجامعي محمد السعيدي الباحث في قضايا المجتمع المدني إن الجمعيات التي تتحول إلى واجهات حزبية تفقد شرعيتها الأخلاقية والقانونية، لأن دورها الطبيعي هو مراقبة السلطة لا الاصطفاف إلى جانبها ،فالقانون المغربي وخاصة الظهير المنظم للجمعيات لسنة 1958 ينص على أن الجمعيات يجب أن تكون مستقلة عن الأحزاب وألا تمارس نشاطًا سياسيًا مباشرًا خارج إطار الترافع أو الدفاع عن القضايا العامة غير أن الواقع الميداني يكشف تداخلاً خطيرًا بين النشاط الجمعوي والعمل الحزبي، إذ تستغل بعض الأحزاب الجمعيات كغطاء قانوني لتوزيع الدعم أو لتنظيم أنشطة ترويجية قبيل الانتخابات، مستفيدة من ضعف آليات المراقبة والمحاسبة.
ويؤكد عدد من الفاعلين الجمعويين أن الظاهرة تفاقمت مع اقتراب المواعيد الانتخابية، حيث تظهر جمعيات “موسمية” تتلقى تمويلات غير شفافة أو تُستخدم لتبرير صرف أموال الحملات الانتخابية.
أحد رؤساء الجمعيات تحدث دون الكشف عن هويته قائلاً: “هناك جمعيات أنشئت بأوامر حزبية فقط من أجل الدعاية أو شراء الولاءات ومن يرفض الاصطفاف يتم إقصاؤه من الدعم العمومي أو محاربته باتهامات جاهزة.”
هذه الممارسات تضرب مصداقية العمل المدني في العمق وتخلق حالة من انعدام الثقة لدى المواطنين تجاه الجمعيات إذ بات الكثيرون ينظرون إليها كامتداد للأحزاب لا كقوة اقتراحية مستقلة. عدد من الفاعلين الجمعويين المستقلين يطالبون اليوم بإعادة ضبط العلاقة بين المجتمع المدني والسياسة والتصدي لاستغلال الجمعيات لأغراض حزبية مؤكدين أن الانتماء السياسي حق شخصي، لكن استغلال العمل الجمعوي لخدمة حزب معين هو إخلال خطير بمبدأ الحياد والشفافية.
ويرى المراقبون أن الحل يكمن في تفعيل الرقابة الصارمة على تمويلات الجمعيات، وتحيين النصوص القانونية بما يمنع تضارب المصالح، إلى جانب تعزيز ثقافة الاستقلالية داخل النسيج المدني.
فالجمعية التي تنحاز لحزب تفقد بوصلتها الأخلاقية وتخون ثقة المنخرطين فيها بينما الجمعيات التي تحافظ على استقلالها تبقى ركيزة أساسية لبناء ديمقراطية تشاركية حقيقية.
ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل الجمعيات التي تضع نفسها في خدمة حزب سياسي تخدم فعلاً التنمية والديمقراطية أم أنها تساهم في تمييع العمل الجمعوي وتحويله إلى سوق للمصالح؟ الجواب يتوقف على وعي الفاعلين الجمعويين من جهة وعلى صرامة الدولة في تطبيق القانون من جهة أخرى، حتى لا يتحول الفضاء الجمعوي إلى أداة انتخابية بدل أن يكون فضاءً للمواطنة الفاعلة وخدمة الصالح العام.

