
بقلم: مصطفى مجبر
يغلي الشارع المغربي بالحركة، وترتفع أصوات الشباب مطالبة بالكرامة والإصلاح، بينما تتشكل لحظة فارقة من التعبير والمساءلة لم تشهدها البلاد منذ زمن. في خضم هذا الحراك، يبرز غياب لافت ومثير للأسئلة: أين اختفى المؤثرون؟ أين أصحاب “المحتوى القوي” الذين قدّموا أنفسهم كصوت الشباب ومرآة المجتمع؟ أين أولئك الذين ملأوا الفضاء الرقمي ضجيجًا وفيديوهات ومواعظ عن “الوعي” و“حب الوطن”؟ لقد اختفوا جميعًا عندما انتقل الوطن من خلف الشاشة إلى أرض الواقع، حين صار الموقف أهم من الفلتر، والكلمة أصدق من “اللايف”.
لقد تبخّر جيش المؤثرين الرقميين في الهواء الطلق، تمامًا كما تبخّرت وعودهم بالصدق والالتزام. من اعتادوا تحريك الفلاتر لم يستطيعوا تحريك ضمائرهم، ومن أتقنوا فنون المونتاج لم يجيدوا فنون الموقف. كل ما استطاع بعضهم فعله هو منشور خجول في خاصية “الستوري” مع قلب مكسور وهاشتاغ باهت، وكأن الوطن مجرّد قصة عابرة لا تستحق أكثر من 15 ثانية من وقتهم. الحقيقة أنهم لم يختفوا اليوم، لأنهم في الأصل لم يكونوا موجودين. لقد صنعوا مجدهم من فراغ، وتغذّوا على التفاهة، واعتادوا العيش في عالم من المقالب والتحديات السخيفة والوصفات السريعة للثراء. وعندما واجهوا الواقع لأول مرة، لم يجدوا ما يقولونه لأنهم ببساطة لم يتعلموا شيئًا يُقال.
لكن المسؤولية لا تقع عليهم وحدهم، فصناعة الوهم كانت جماعية. من فتح لهم أبواب المهرجانات الرسمية واحتفى بهم في الصفوف الأولى، ومن جعلهم واجهة وطنية في مناسبات الدولة، هو أيضًا شريك في تضليل الرأي العام. لقد رُفعوا إلى مقام “رموز الجيل الجديد”، بينما هم في الحقيقة رموز لجيل “الفلاتر والإعلانات”، جيل يعرف من الوطن ما يُدفع له، لا ما يُدافع عنه. يتحدثون باسم الشباب وهم لا يعرفون من معاناته إلا ما يصلح كخلفية لصورة، ولا يعرفون من الوطن سوى الرحلات الممولة وعقود الإشهار. أما الضرائب والانضباط والمسؤولية، فذلك “تفصيل مملّ” بالنسبة لهم، يخص فقط من يكدّ بعرق جبينه لا من يصوّر كوب قهوة بموسيقى حزينة.
وفي المقابل، بينما صمت “الترند”، ظلّت الصحافة الحقيقية في الميدان. الصحفيون الذين يقفون تحت المطر والغبار لا في الاستوديوهات، واللواتي واجهن الشارع بالكلمة لا بالمكياج، هم من حفظوا صورة الوطن أمام العالم. لم يكن لديهم وقت للفلاتر ولا للزوايا المثالية، لأنهم كانوا منشغلين بتصوير الحقيقة كما هي، وبمحاولة تهدئة المواقف لا تأجيجها. هؤلاء هم المؤثرون الحقيقيون، الذين لا يقيسون التأثير بعدد المتابعين بل بصدق الموقف.
الاحتجاجات الشبابية الأخيرة لم تفرز فقط خطابًا اجتماعيًا جديدًا، بل كشفت أيضًا هشاشة صناعة “الترند” وسقوط وهم “المؤثر”. لقد تهاوى كل شيء أمام أول اختبار واقعي، وسقطت صناعة التفاهة كما تسقط فقاعات الصابون حين تلمس الهواء. ظهر بوضوح أن المؤثر الحقيقي ليس من يبيع منتجًا، بل من يدافع عن فكرة، ليس من يسوّق لماركة، بل من يصنع وعيًا.
اليوم، المغرب أمام جيل جديد من الوعي لا يقيس القيمة بعدد المتابعين، بل بعمق الكلمة وصدق الموقف. جيل يدرك أن الوطنية ليست ترندًا موسميًا، ولا حب الوطن صورة تُلتقط من زاوية جيدة. جيل يميز بين “المحتوى” و“الموقف”، بين من يعيش من الوطن ومن يعيش لأجله.
لقد انتهى زمن الفلاتر، وسقطت أقنعة الوجوه اللامعة، وبقيت الكلمة الحرة والضمير المهني هما من يصنعان الوعي ويحميان الوطن. فالمؤثرون الحقيقيون اليوم هم الصحفيون الميدانيون الذين اختاروا الصدق بدل الشهرة، والواجب بدل الإعلانات، والحق بدل التفاعل. وأما أولئك الذين ظنوا أن الوطنية مجرّد لايف عابر، فقد انتهت صلاحيتهم مع أول بث مباشر للحقيقة.

