التبوريدة المغربية: إرث ثقافي يتجاوز حدود الفانتازيا

التبوريدة المغربية: إرث ثقافي يتجاوز حدود الفانتازيا
البشير بنرابح
البشير بنرابح

بحث ميداني – سيدي رحال الشاطئ
في ساحة رحبة مفروشة بالتراب، وعلى وقع الزغاريد وصيحات التشجيع، يصطف فرسان يرتدون الجبادور والسلهام المغربي التقليدي، يمتطون خيولًا أصيلة، في انتظار إشارة “المقدم” لبدء العرض.
وما إن تنطلق الإشارة، حتى تندفع الخيول بسرعة متناسقة في خط مستقيم، قبل أن تنفجر طلقة البارود الجماعية في لحظة تزامن دقيقة، تُظهر انضباط الفرسان ومهارتهم العالية، في مشهد يختزل مزيجًا من القوة والجمال والرمزية.
بين الفرجة والرمز
قد تبدو التبوريدة للبعض مجرد عرض احتفالي، لكنها في عمقها تجسيد لذاكرة جماعية تستحضر أمجاد الفروسية المغربية.
البارود فيها يرمز إلى الشجاعة والتضحية، فيما تعكس الخيل رمزية الكرامة والعزة، وتُربّى بعناية خاصة داخل الأسر المغربية، كأحد أوجه الحفاظ على الهوية.
شهادات من قلب الميدان
الحاج أبا أحمد، فارس مخضرم في السبعين من عمره، يلخص الأمر قائلًا:
“التبوريدة ماشي مجرد عرض… هي الأصل والتاريخ، وكل طلقة فيها مسؤولية.”
أما عادل، فارس شاب في بداية العشرينات، فيقول بفخر:
“نشأت وسط الخيل، واليوم أشارك في السربة لتحقيق حلم العائلة، وأطمح إلى أن يستمر هذا التراث عبر الأجيال.”
التبوريدة واستمرار التحديات
على الرغم من الدعم الذي توفره وزارة الثقافة لمواسم كبرى مثل “موسم سيدي بنور” و”موسم مولاي عبد الله أمغار”، فإن التبوريدة تواجه تحديات، أبرزها:
ارتفاع تكاليف تجهيز الخيل والعتاد التقليدي.
ضعف الدعم المحلي في المناطق القروية الصغرى.
محدودية البنية التحتية في بعض مواقع المهرجانات.
“إرث وطني حيّ”
ليست التبوريدة فولكلورًا عابرًا أو تقليدًا للفانتازيا الغربية، بل هي طقس احتفالي–تاريخي يستحضر بطولات الماضي، ويمزج بين فن الأداء المسرحي والانضباط العسكري والرمزية الثقافية.
إنها ذاكرة حيّة تنبض في وجدان المغاربة، وتؤكد أن صون التراث هو صون للهوية.
فحين يسكت البارود ويهدأ صهيل الخيل، يبقى في القلب رجع صدى يقول: هنا ينام التاريخ على سرج حصان، وهنا تصحو الذاكرة على خطى فرسان لا يموتون.
بقلم الفنان الباحث
البشيري بنرابح

الاخبار العاجلة