لا عمر للحب: حين تنتصر مشاعر كبار السن على عزلة الشيخوخة في برنامج “لحبيبة مي”

لا عمر للحب: حين تنتصر مشاعر كبار السن على عزلة الشيخوخة في برنامج “لحبيبة مي”
ذ.البشيري بنرابح
ذ.البشيري بنرابح

في زمن تتقدمه الماديات وتخفت فيه أصوات العاطفة، جاءت حلقة “لا عمر للحب” من البرنامج الاجتماعي المغربي “لحبيبة مي” لتعيد توجيه البوصلة نحو إنسانية منسية: كبار السن وحقهم في الحب والمودة. بحسّ تلفزيوني عميق وقيم فنية نبيلة، نجح البرنامج الذي يشرف عليه الثنائي أحمد بوعروة وجميلة البرجي في ملامسة واحدة من أكثر التيمات حساسية في المجتمع، وهي مشاعر المسنين في خريف العمر.

قصة “أبا الشرقاوي ولالة جَمعة”، وهما نزيلان في دار للمسنين، تحولت إلى لحظة إنسانية استثنائية تابعها المغاربة بمزيج من التأثر والإعجاب. حب وُلد في زمن متأخر، لكنه حمل صدقًا نادرًا، تُوج بحفل زفاف مؤثر شارك فيه فنانون وفاعلون جمعويون ونجوم من عالم الرياضة، في مشهد جسّد روح التضامن وكرامة الإنسان في كل مراحل العمر.

الحلقة تجاوزت البعد الترفيهي، لتخوض في عمق القضايا النفسية والاجتماعية المرتبطة بالشيخوخة، وتكسر الصور النمطية التي تحصر كبار السن في العزلة والجمود العاطفي. لقد منحت الكاميرا صوتًا لنظرات لم تعد تجد من يُصغي لها، وتفاصيل تحكي عن الحاجة للحنان لا للمساعدة فقط، وعن الحب كحقّ لا يسقط بالتقادم.

الزفاف لم يكن مناسبة فردية بقدر ما كان لحظة جماعية احتفى فيها المجتمع المغربي – عبر البرنامج – بفكرة أن الإنسان لا يتوقف عن الاحتياج للحب مهما اشتعل الرأس شيبًا.
الأخصائية النفسية الدكتورة سعاد الناجي اعتبرت في تعليقها أن “تطبيع العلاقات العاطفية في سن متقدمة هو جزء من الصحة النفسية، ورسالة ضرورية لمحاربة العزلة والاحتقار الرمزي الذي يُمارس أحيانًا تجاه المسنين.”

ومن بين ما أفرزته هذه الحلقة أيضًا، استعادة لذكريات من زمن الوفاء والبساطة، كما في لقاءات مقهى “الأميرية” بالدار البيضاء، التي جمعت ذات يوم بين الفنانين الراحلين سكينة الصفدي وعائد موهوب، في لحظات تخللها المزاح الصادق والمواقف التي تُؤكد أن القلب لا يشيخ، بل يظل نابضًا ما دام فيه شيء من الحنين.

برنامج “لحبيبة مي” أثبت مرة أخرى أنه ليس مجرد إنتاج تلفزيوني، بل مشروع مجتمعي ينقل الكاميرا إلى عمق الهامش الإنساني، حيث تسكن قصص لا تُروى، ويعيد تسليط الضوء على فئات تُركت خلف الركب، في محاولة لإعادة دمجها في مشهد الحياة، لا باعتبارها عبئًا، بل باعتبارها مصدرًا للحكمة والتوازن العاطفي.

في زمن يميل فيه كل شيء إلى السرعة والتجاوز، جاءت هذه الحلقة كرسالة بليغة: الحب لا يعترف بالعمر، بل يُولد من جديد حين يجد الصدق، وحين تتلاقى الأرواح رغم تعب السنين. فما الحياة، في جوهرها، سوى حاجة دائمة إلى رفيق يشاركنا ما تبقّى من الدرب… حتى آخر لحظة.

✍️ البشيري بنرابح
فنان وباحث في الثقافة المجتمعية.

الاخبار العاجلة