“لا تتضامنوا مع حميد المهداوي… لم يُسجن بعد، لكن الوطن ضاق عليه”

“لا تتضامنوا مع حميد المهداوي… لم يُسجن بعد، لكن الوطن ضاق عليه”
جواد جعواني
جواد جعواني

جواد جعواني
صحفي، خبير في التواصل

لا تتضامنوا مع حميد المهداوي.
نعم، لا تفعلوا.
لا ترفعوا شعارات من قبيل: الحرية للصحفي الحر، ولا تُطلقوا هاشتاغات عن “محاكمة الكلمة”، ولا تنشروا صورته بابتسامة المناضلين الصامدة خلف القضبان… لأنه، ببساطة، لم يدخل السجن بعد.

لكن، مهلاً…
هل السجن هو فقط تلك الجدران الأربعة؟
تلك القضبان الحديدية والباب المقفل؟
هل الحرية تقاس فقط بمدى قدرتك على الخروج من منزلك والذهاب إلى المقهى؟

حميد المهداوي، الصحفي، الكاتب، الصارخ حين يصمت الجميع، لا يوجد اليوم خلف القضبان، صحيح.
لكنّه يعيش في المنطقة الرمادية من العدالة: حُكم استئنافي بالسجن والغرامة والتعويض الخرافي لوزير العدل، ما زال معلقًا في عنقه، ينتظر فصل النقض.
كأنك تعيش خارج السجن، لكن ظلك مسجون.
تمشي على الرصيف، لكن كل خطوة محكومة بتقارير سرية، وعينين ترقبانك من حيث لا تدري.

فلا تتضامنوا…
لأن التضامن في هذه البلاد تحوّل إلى طقس فاقد للمعنى.
نتضامن حين تقع الواقعة، ثم ننسى حين يأتي خبر آخر.
نغضب ليوم أو اثنين، ثم نعود إلى سُباتنا الرقمي.
والسلطة تعرف ذلك جيدًا… لذلك لا تخشاهم، ولا تخشانا، ولا تخشى حتى صوت حميد.

حميد المهداوي، مرة أخرى، يُجر إلى قاعة المحكمة.
ذنبُه هذه المرة؟ ليس اختراق سر دولة، ولا تسريب وثائق خطيرة، ولا تحريضًا على التمرد،
بل ذنبه أنه قال كلمة،
ناقش مسؤولًا،
سخر من وزير،
وآمن أن المواطن له الحق في أن يطرح الأسئلة الكبرى، حتى وإن كانت تزعج السلطة.

ولأننا نعيش في زمن هش، يُقاس فيه الولاء بمدى صمتك، ويُكافأ فيه النفاق بالترقية،
كان لا بد أن يُؤدب حميد…
كان لا بد أن يُضرب المثال به.

فلا تتضامنوا.
لأننا، ببساطة، لم نعد نملك حتى أدوات التضامن.
لقد صادروا حتى قدرتنا على الحلم.

في هذا الوطن، تتغير الشوارع، تتطور التطبيقات، تتبدل الخطابات الرسمية،
لكن العقل السياسي لم يتغير.
ما زال يرى في الصحفي خصمًا.
وفي الرأي تآمرًا.
وفي السؤال تهديدًا للاستقرار.

لا تتضامنوا، لأن التضامن لم يعد مجديًا في زمن تُمارس فيه السلطة فن “العزل المعنوي”.
تُحاكمك، لا لتسجنك فقط، بل لتجعلك عبرة، لتكسر بينك وبين الناس خيط التضامن، لتقول للجميع:
“كل من يشبه حميد… سيلقى مصيره”.

ومع ذلك، لا تتضامنوا.
فقط تذكّروا.

تذكّروا أن الصحافة تموت حين تصبح هدفًا، لا وسيلة.
وأن الديمقراطية تموت حين يصبح صوت واحد خطرًا على سلطة بأكملها.

تذكّروا أن حميد لم يخطئ، بل أخطأ من رأى في صراحته خطرًا، وفي حرّيته تهديدًا، وفي صحافته جريمة.

هو الآن خارج أسوار السجن، لكن جدرانًا غير مرئية تحاصره من كل الجهات.
وحين يُطفأ الضوء الأخير في قاعة المحكمة، ربما…
ربما يُنطق بالحكم النهائي، ويدخل الرجل إلى زنزانته، هذه المرة جسدًا، لا فقط روحًا.

وحينها، ستكتبون:
“الحرية لحميد المهداوي”،
وستنشرون صورته، وتلعنون الظلم، وتدعون إلى وقفة.

لكني أقولها الآن:
لا تنتظروا دخوله السجن لكي تتضامنوا.
ولا تنتظروا الخراب الكامل لكي ترفعوا أصواتكم.

حميد هو جرس إنذار، لا فقط ضحية.
هو مرآة لما ينتظر هذا البلد إن استمر في اغتيال الكلمة، وتدجين الذاكرة، وتجفيف منابع العقل.

وفي انتظار ما ستقوله محكمة النقض،
ابقوا يقظين…
لا تتضامنوا. تذكّروا. وثبّتوا البوصلة.

الاخبار العاجلة