اسماعيل المسرار – مكتب باريس | ALMAP MEDIA
يبرز اسم المصور المغربي بوعبيد المكناسي كأحد الوجوه الفنية التي استطاعت أن توظف فن التصوير الفوتوغرافي لتوثيق الذاكرة الإنسانية والثقافية للجالية المغربية في الخارج. فمن مدينة مكناس إلى قلب العاصمة الفرنسية باريس، حمل المكناسي كاميرته ليحول الصورة إلى لغة إنسانية تنقل تفاصيل الهوية والانتماء، وترصد قصص النجاح والتحديات التي يعيشها المغاربة في المهجر.

الهجرة… بداية المسار الفني في باريس
وصل بوعبيد المكناسي إلى باريس في أواخر تسعينيات القرن الماضي، بحثًا عن آفاق جديدة للحياة والإبداع. وفي مدينة تعج بالثقافات والتجارب الإنسانية المختلفة، وجد المصور المغربي فضاءً خصبًا لتطوير رؤيته الفنية.
ومنذ بداياته، ركز المكناسي على توثيق يوميات المهاجرين المغاربة، مستحضراً عبر عدسته لحظات الحنين إلى الوطن، وفي الوقت ذاته موثقًا تفاصيل الحياة اليومية التي تجمع بين الأمل والتحديات في تجربة الاغتراب.
ومع مرور السنوات، تحولت شوارع باريس إلى مسرح بصري لعدسته، يلتقط فيه الوجوه والقصص الإنسانية التي تعكس تنوع مسارات الجالية المغربية في فرنسا.

أسلوب فوتوغرافي يقوم على الصدق والبساطة
يعتمد بوعبيد المكناسي في أعماله على مقاربة فنية قريبة من التصوير الوثائقي، حيث يفضل البساطة والصدق في نقل المشاعر الإنسانية بعيدًا عن المؤثرات البصرية المبالغ فيها.
وتحضر الصور بالأبيض والأسود بشكل لافت في أعماله، لما تمنحه من عمق بصري وقدرة على إبراز التعابير الإنسانية بوضوح أكبر.
كما يحتل فن البورتريه مكانة مركزية في تجربته الفنية، إذ يرى المكناسي أن الوجه الإنساني يحمل في ملامحه قصة كاملة. فكل صورة بالنسبة إليه ليست مجرد لقطة فوتوغرافية، بل حكاية تختصر تجربة إنسانية ومسارًا شخصيًا.

“نساء في دائرة الضوء”… مشروع يحتفي بالإبداع النسائي
من أبرز المشاريع الفنية التي أطلقها المصور المغربي خلال السنوات الأخيرة مشروع “نساء في دائرة الضوء”، الذي قدمه السنة الماضية تزامنًا مع مهرجان الكتاب في باريس.
ويروم هذا المشروع تكريم مجموعة من النساء المغربيات اللواتي برزن في مجالات متعددة، من بينها الأدب والفن والإعلام والبحث العلمي والعمل الجمعوي.
ومن خلال سلسلة من صور البورتريه، سعى المكناسي إلى إبراز قوة هذه الشخصيات النسائية وإبداعها وإصرارها على تحقيق النجاح داخل المجتمع الأوروبي، في رسالة فنية وثقافية تسلط الضوء على الدور المتنامي للمرأة المغربية في المهجر.
وقد لقي هذا المشروع صدى إيجابيًا لدى المهتمين بالشأن الثقافي، لما يحمله من بعد إنساني وتوثيقي.

معارض ومشاركات ثقافية
على مدى سنوات، شارك بوعبيد المكناسي في عدد من المعارض والتظاهرات الثقافية في باريس، حيث ركزت أعماله على إبراز الهوية المغربية داخل فضاء الهجرة.
ففي سنة 2018 نظم معرضًا بدار المغرب في باريس بمناسبة اليوم العالمي للمرأة (8 مارس)، عرض خلاله صورًا توثق حضور المرأة المغربية وإسهاماتها في المجتمع الفرنسي.
وفي 2019 أطلق مشروعًا فوتوغرافيًا بعنوان “ذاكرة عدسة”، وثق من خلاله لحظات إنسانية وثقافية من حياة المغاربة في المهجر، كما استحضر عبر صوره ذاكرة عدد من الفنانين والكتاب والصحافيين المغاربة.
أما في 2021 فقد قدم معرضًا بعنوان “نساء والأضواء”، واصل فيه اهتمامه بتسليط الضوء على نماذج نسائية مغربية ناجحة في مختلف المجالات.

وفي 2023 شارك في تظاهرة “المغرب يحتفل” التي احتضنتها باريس احتفاءً بالمناسبات الوطنية المغربية، خاصة ذكرى المسيرة الخضراء وعيد الاستقلال، حيث عرض صورًا تعكس ارتباط الجالية المغربية بوطنها الأم واعتزازها بهويتها الثقافية.
كما احتضن المعهد العربي في باريس أحد معارضه الفوتوغرافية ضمن برنامجه الثقافي، حيث قدم سلسلة من الصور التي توثق مسارات نساء مغربيات ملهمات في أوروبا.
عدسة توثق ذاكرة الجالية المغربية
لا تقتصر تجربة بوعبيد المكناسي على البعد الفني فحسب، بل تحمل أيضًا قيمة توثيقية مهمة، إذ تسهم صوره في رسم صورة واقعية لحياة المغاربة في المهجر بعيدًا عن الصور النمطية.
ومن خلال هذا العمل، يساهم المصور المغربي في بناء أرشيف بصري يوثق التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعيشها الجالية المغربية في أوروبا، ويشكل في الوقت ذاته جسرًا بين الهوية المغربية والتجربة الأوروبية.
بهذا المسار الفني المتميز، يواصل بوعبيد المكناسي توظيف عدسته كوسيلة لسرد قصص إنسانية نابضة بالحياة. فصوره ليست مجرد أعمال جمالية، بل شهادات بصرية توثق الهوية والانتماء، وتبرز مسارات نساء ورجال نجحوا في صناعة حضورهم داخل المهجر بإبداع وإصرار.




