نساء المغرب… مسار من المكتسبات القانونية ومعركة مستمرة نحو التمكين

نساء المغرب… مسار من المكتسبات القانونية ومعركة مستمرة نحو التمكين
جليلة بنونة
جليلة بنونة

بقلم جليلة بنونة

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، يتجدد النقاش في المغرب حول واقع المرأة المغربية بين ما تحقق من مكاسب قانونية واجتماعية مهمة، وما لا يزال قائما من تحديات تعيق تحقيق المساواة الفعلية وتمكين النساء بشكل كامل في مختلف مجالات الحياة. فخلال العقود الأخيرة، قطع المغرب خطوات ملحوظة في مسار تعزيز حقوق المرأة، غير أن الطريق نحو تمكين حقيقي وشامل ما يزال يتطلب جهدا مجتمعيا ومؤسساتيا أكبر.

لقد شهدت السنوات الماضية إصلاحات تشريعية مهمة شكلت منعطفا في مسار حقوق النساء، من أبرزها إصلاح مدونة الأسرة المغربية الذي عزز عددا من حقوق المرأة داخل الأسرة ورفع سن الزواج إلى 18 سنة، كما جاء قانون الجنسية المغربي ليمنح المرأة المغربية حق نقل جنسيتها إلى أبنائها، وهو مطلب ظل لسنوات طويلة من أبرز مطالب الحركة الحقوقية النسائية. ثم جاء دستور المغرب 2011 ليكرس مبدأ المساواة بين الرجال والنساء وينص على إحداث هيئة المناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز، قبل أن يدخل القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء حيز التنفيذ سنة 2018 لتعزيز حماية النساء من مختلف أشكال العنف.

هذه الإصلاحات لم تكن مجرد نصوص قانونية، بل شكلت تعبيرا عن إرادة سياسية ومجتمعية متزايدة للاعتراف بمكانة المرأة ودورها في بناء المجتمع. وقد انعكس ذلك في عدد من السياسات العمومية التي سعت إلى إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في البرامج التنموية والميزانيات الحكومية، إلى جانب إطلاق مبادرات لدعم التمكين الاقتصادي للنساء وتشجيع المقاولة النسائية.

ومن بين المجالات التي حققت فيها المرأة المغربية تقدما واضحا يبرز التعليم، حيث أصبحت الفتيات اليوم يشكلن نسبة مهمة من التلاميذ في مختلف الأسلاك التعليمية، كما أصبحت النساء يشكلن الأغلبية في عدد من التخصصات الجامعية. هذا التحول يعكس تغيرا عميقا في نظرة المجتمع إلى تعليم الفتاة، كما يعكس إصرار آلاف النساء على انتزاع حقهن في المعرفة وبناء مساراتهن المهنية والعلمية.

غير أن هذا التقدم التعليمي لا ينعكس بالقدر نفسه في سوق الشغل، وهو ما يشكل إحدى أكبر المفارقات في واقع المرأة المغربية اليوم. فمعدل مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي ما يزال منخفضا مقارنة بالرجال، كما أن نسبة البطالة في صفوف النساء، خاصة الحاصلات على الشهادات العليا، تبقى مرتفعة. هذا الوضع يكشف عن خلل بنيوي في العلاقة بين التعليم وفرص التشغيل، كما يعكس استمرار مجموعة من العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من ولوج النساء إلى سوق العمل.
وتبرز هذه الإشكالية بشكل أكبر في المناطق القروية، حيث تواجه النساء ظروفا أكثر صعوبة نتيجة الفوارق المجالية وضعف فرص الشغل والخدمات الأساسية. فالمرأة القروية ما تزال تتحمل أعباء كبيرة في العمل الفلاحي غير المهيكل وفي تدبير الحياة اليومية للأسرة، دون أن ينعكس ذلك دائما في اعتراف اقتصادي أو اجتماعي كاف.

أما على المستوى السياسي، فقد شهدت مشاركة النساء تطورا تدريجيا بفضل آليات مثل نظام الكوطا الذي ساهم في رفع نسبة تمثيلية النساء داخل البرلمان والمؤسسات المنتخبة. ومع ذلك، ما تزال الطريق طويلة أمام تحقيق حضور نسائي قوي في مواقع القرار، سواء داخل الأحزاب السياسية أو في المناصب القيادية داخل الإدارة والمؤسسات العمومية.

وفي المقابل، سجلت المؤشرات الصحية المرتبطة بالنساء تحسنا ملحوظا خلال العقدين الأخيرين، حيث ارتفعت نسبة الولادات التي تتم تحت إشراف طبي وتوسعت برامج الصحة الإنجابية، كما تراجع معدل الزواج المبكر بشكل ملحوظ، وهو تطور يعكس تأثير التعليم والتحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي.

ورغم هذه التحولات الإيجابية، يظل العنف ضد النساء أحد أبرز التحديات التي تؤرق المجتمع المغربي. فهذه الظاهرة لا تزال حاضرة بأشكال متعددة، من العنف الأسري إلى التحرش والعنف الاقتصادي، وهو ما يجعل من تعزيز آليات الحماية القانونية والدعم النفسي والاجتماعي للنساء أولوية ملحة.

إن واقع المرأة المغربية اليوم يكشف عن صورة مركبة تجمع بين التقدم والتحديات. فالمكاسب القانونية والتعليمية التي تحققت خلال السنوات الماضية تشكل أساسا مهما لبناء مجتمع أكثر عدلا ومساواة، لكنها في المقابل تحتاج إلى ترجمة فعلية على مستوى الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

و كاعلامية تتابع قضايا المجتمع وتؤمن بقدرة النساء على صناعة التغيير، أؤمن أن تمكين المرأة المغربية ليس مجرد قضية فئوية، بل هو رهان تنموي حقيقي. فكلما توسعت مشاركة النساء في الاقتصاد وفي مواقع القرار، ازداد المجتمع قوة وتوازنا.
إن الاحتفاء بالمرأة في هذا اليوم ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو فرصة لتجديد الالتزام الجماعي ببناء مغرب يضمن للمرأة حقوقها كاملة، ويمنحها الفرص التي تستحقها لتكون شريكا كاملا في صناعة المستقبل.
لأن قوة المجتمع تبدأ حين تحظى نساؤه بالإنصاف والكرامة والفرص العادلة.

الاخبار العاجلة