يونس لكحل -المغرب العربي بريس
يبدو أن المشهد السياسي بإقليم تاونات دخل مرحلة غير مسبوقة من الاحتقان والرفض، بعد أن تحوّل حزب التجمع الوطني للأحرار من فاعل انتخابي وازن إلى موضوع سخط شعبي واسع، بلغ حدّ نزع الشرعية الرمزية عنه داخل المخيال الجماعي للساكنة، التي باتت تطلق عليه توصيفات قاسية تعكس عمق الأزمة واتساع الهوة من بينها توصيفه ( بحزب الأشرار ).
فما يجري اليوم في إقليم تاونات لا يمكن اختزاله في تراجع ظرفي في الشعبية أو خسارة محتملة لبعض الأصوات، بل هو أقرب إلى قطيعة سياسية وأخلاقية بين المواطنين وحزب راهن، في نظرهم، على النفوذ والمال والشعارات بدل الاستثمار الحقيقي في التنمية والإنصات للانتظارات الاجتماعية وتحقيق ولو جزء بسيط من برامجه … والدلائل على ما يقال واضحة على أرض الواقع : إقليم منكوب على كل المستويات وفي جل القطاعات …
فقد وصلت حالة الغضب إلى مستوى غير مسبوق، حين لم يعد الاعتراض موجهاً إلى البرنامج أو الأداء الحكومي ، بل إلى طبيعة الممارسة السياسية ذاتها بالاقليم محليا ، التي يرى فيها السكان نموذجاً صارخاً للانتهازية واستغلال الهشاشة. فالإقليم، الذي ظل يعاني من العزلة، وتردي البنيات التحتية، وغياب العدالة المجالية، لم يلمس أي أثر ملموس لوعود انتخابية رُفعت في مواسم الاقتراع ثم أُسدل عليها ستار النسيان بوجود مناضلون من ورق مقوى استمروا في بيع الوهم للناس بدون حياء … .
وفي هذا السياق، تحوّل الرمز الانتخابي للحزب من “حمامة” يُفترض أن تحلق برسائل التنمية والمعقول والجدية ، إلى رمز للخذلان وخيبة الأمل. وهو تحول دلالي خطير في العمل السياسي، لأن فقدان الرمز لمعناه الإيجابي يعني عملياً فقدان الثقة، وهي العملة النادرة في أي مسار ديمقراطي.
والأخطر من ذلك أن الرفض الشعبي لم يعد صامتاً أو محصوراً في المجالس الخاصة، بل أصبح موقفاً معلناً، تُترجم ملامحه في رفض استقبال ممثلي الحزب داخل الدواوير والجماعات، وفي تنامي قناعة عامة مفادها أن أي محاولة للعودة إلى الساحة بنفس الوجوه ونفس الأساليب، لن تكون سوى مغامرة سياسية خاسرة.
وهذا الغضب طبعا لم ينشأ من فراغ، بل تغذّى من شعور عام بأن الإقليم لم يكن سوى “خزان انتخابي” يُستدعى عند الحاجة، ثم يُترك لمصيره طيلة الولاية الانتدابية. وهو ما رسّخ لدى الساكنة إحساساً بالاستغلال السياسي، وعمّق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة .
وإذا كان الشارع قد عبّر عن موقفه بوضوح على الاقل بوسائل التواصل الاجتماعي ، فإن “الزلزال” الحقيقي يبدو أنه بدأ يهزّ البيت الداخلي للحزب نفسه. فمؤشرات التفكك والانشقاق أصبحت أكثر وضوحاً، مع شروع عدد من المنتسبين في مراجعة مواقعهم، والقفز من سفينة يدركون أنها تتجه نحو الغرق، في ظل تصاعد غضب شعبي لا يرحم، ولا يقبل أنصاف التبريرات.
الواقع الآن ما يعيشه الأحرار بتاونات اليوم ليس مجرد أزمة تدبير أو تواصل، بل أزمة معنى وقيم ، أزمة حزب لم يعد يُنظر إليه كأداة للتأطير وخدمة الصالح العام، بل كوعاء لمصالح ضيقة، الأمر الذي جعله في مواجهة مباشرة مع إرادة شعبية بدأت تستعيد وعيها بقوتها.
والدرس الأبلغ في هذا المشهد هو أن المال والدعاية والتحالفات الظرفية قد تربح جولة انتخابية، لكنها لا تصنع شرعية دائمة. فحين يقرر الناس سحب ثقتهم، يصبح السقوط مسألة وقت، ويتحوّل الإخفاق من خسارة مقاعد إلى درس تاريخي في أن الكرامة والتنمية الحقيقية أقوى من كل الآلات الانتخابية.
واللافت كذلك في التحول السياسي الذي يشهده إقليم تاونات ليس فقط تراجع منسوب الثقة في حزب التجمع الوطني للأحرار، بل الانتقال الجماعي للساكنة، بجل ربوع الإقليم، إلى توصيف الحزب بـ“حزب الأشرار”، وهو توصيف لم يعد معزولاً أو صادراً عن فئات غاضبة بعينها، بل أصبح متداولاً على نطاق واسع داخل الدواوير والحواضر والأسواق الأسبوعية والمجالس اليومية للمواطنين.
هذا التحول اللغوي في الخطاب الشعبي ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر خطير على سقوط الحزب أخلاقياً ورمزياً قبل أي سقوط انتخابي محتمل. فعندما يُجرد حزب سياسي من اسمه الأصلي ويُستبدل بتسمية تحمل شحنة أخلاقية سلبية، فإن الأمر يتجاوز النقد السياسي إلى إدانة جماعية للممارسة والسلوك. فالساكنة لا تعاقب الافكار المجردة ، بقدر ما تعاقب ما تعتبره خيانة للوعود واستغلالاً لمعاناة الإقليم.
لقد أصبح وصف “حزب الأشرار” تعبيراً مكثفاً عن شعور عام بأن الحزب لم يعد يمثل مصالح المواطنين، بل تحول، في نظرهم، إلى واجهة للانتهازية السياسية وتغليب المصالح الشخصية على حساب قضايا التنمية وفك العزلة. وهو توصيف يعكس قطيعة وجدانية عميقة بين الحزب وقاعدته المفترضة، قطيعة لم تفلح الخطابات ولا محاولات التبرير في ترميمها.
والأخطر في هذا السياق أن هذا الوصف لم يعد حكراً على ما لا انتماء سياسي لهم ، بل تسلل حتى إلى أحاديث بعض مناصريه ، الذين باتوا يستعملونه كتعبير عن خيبة أملهم، ما يعني أن الأزمة لم تعد خارجية فقط، بل أزمة ثقة داخلية وخارجية في آن واحد.
وهكذا، لم يعد الحزب في تاونات يواجه معارضة سياسية تقليدية، بل يواجه حكماً شعبياً قاسياً عنوانه الأبرز: “أنتم لم تعودوا أحراراً في أعيننا، بل أشراراً في ممارساتكم”. وهو حكم، متى استقر في الوعي الجماعي، يصبح من الصعب جداً نقضه أو تجاوزه، مهما تغيّرت الوجوه أو تبدّلت الشعارات…

