خديجة أتلونت
ستحتضن مدينة الجديدة حدثا علميا دوليا بارزا يعيدطرح سؤال التراث في علاقته بالتنمية والتحولات الاجتماعية، وذلك من خلال ندوة دولية تنظم يومي 25 و26 دجنبر 2025، بمبادرة من مختبر الدراسات والأبحاث حول حوار الثقافات (LERIC)، وبشراكة مع مختبر الدراسات الاقتصادية وعلوم التدبير (LERSEM) التابعين لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة.
الندوة، التي تحمل عنوانًا مركبًا وعميق الدلالات: “ إعادة ابتكار وتثمين التراث المادي واللامادي: أي ديناميات اقتصادية ولسانية وثقافية من أجل أي تنمية ترابية وأي تحولات اجتماعية؟»، تنطلق من رؤية تعتبر التراث ليس مجرد ذاكرة جامدة، إنما مجالًا حيًا، يتحرك داخل المجتمع، ويتفاعل مع الاقتصاد واللغة والسياسة والسلطة، كما يشكّل موردًا تنمويًا قادرًا على خلق ديناميات ترابية جديدة، إذا ما تمت إدارته ضمن حكامة تشاركية ومسؤولة.
ويُجمع المنظمون على أن الهدف النهائي من هذه الندوة لا يقتصر على تشخيص وضع التراث أو مساءلة إشكالاته، إنما يمتد إلى بلورة توصيات عملية، تعيد للتراث دوره المركزي كرافعة للتنمية الترابية، وكجسر للحوار بين الذاكرة والحداثة، وبين المحلي والكوني، في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى نماذج تنموية تستثمر في الثقافة، وتحترم المجتمعات، وتؤمن بأن حماية التراث ليست ترفًا فكريًا، بل خيارًا استراتيجيًا لبناء تنمية أكثر إنصافًا وعمقًا واستدامة.
ويُنتظر أن يستقطب هذا الحدث الدولي الهام باحثين وخبراء من المغرب ومن خارجه، حيث سيُفتتح بمحاضرة يقدمها الكاتب والمفكر المغربي فؤاد العروي، وذلك من خلال محاضرته: التبوريدة بين الأصالة و“الفلكلرة“، التي تعالج التوتر القائم بين تحويل الممارسة الثقافية إلى تراث وطني معترف به، وبين اختزالها في عروض فولكلورية قد تُفرغها من قيمها الرمزية والاجتماعية العميقة.
وعقب الجلسة الافتتاحية، سيتم تنظيم حلقة نقاش محورية تحت عنوان ” تثمين التراث والتنمية الترابية: نحو اقتصاد متجذر في الموارد المحلية “، بمشاركة شخصيات بارزة في مجال حماية التراث وتثمينه، من بينهم محمد بنعبود، رئيس جمعية تطوان أسمير، والمعماري كريم رويسي، رئيس جمعية “Casa Mémoire”، وإسماعيل سعد وليد محافظ المتحفالعبدلاوي، الذين سيتناولون أسئلة الشراكة بين الدولة والجماعات الترابية والمجتمع المدني، وأشكال التدبير المشترك للتراث الحديث والأثري، وسبل جعل التراث رافعة للتنمية المحلية المستدامة.
كما يتضمن البرنامج سلسلة من المحاضرات المتخصصة، التي تعالج التراث البحري والحرفي والأركيولوجي والغاطس، حيث سيقدم الباحث مصطفى الجماهري قراءة في التراث البحري للجديدة، بينما سيُساهم الخبير محمد السايري في تحليل التراث الحرفي لمنطقة دكالة في علاقته بالتنمية الترابية. وتعرف الندوة أيضًا مشاركة دولية مهمة للباحث التونسي حبيب بنصالح، الذي سيقدم مداخلة مقارنة حول «التراث في مواجهة الزمن»، إضافة إلى محاضرة للباحث عز الدين قرة حول التراث الغاطس بسواحل الجديدة، وهو حقل بحثي لا يزال قليل التداول إعلاميًا رغم أهميته العلمية والتاريخية.
وإلى جانب الجلسات الرئيسية، ستتضمن الندوة عشرة ورشات موضوعاتية تضم ما يقارب خمسين مداخلة علمية، يقدمها باحثون وخبراء من جامعات مغربية وأجنبية، ما يجعل من هذا اللقاء منصة علمية مفتوحة على النقاش والتجديد وتبادل التجارب والنماذج التنموية المرتبطة بالتراث.
جدير بالذكر أن مختبر الدراسات والأبحاث حول حوار الثقافات (LERIC)، منذ تأسيسه، دأب على تنظيم لقاءات وندوات أكاديمية رفيعة المستوى تتناول مواضيع حوار الثقافات والتراث المادي واللامادي، بمنهجية علمية رصينة، ما جعله فضاءً معرفيًا يسهم في تعميق البحث في ديناميات التعايش وإنتاج معرفة نقدية تواكب تحولات المجتمع المغربي والعالمي.

