قراءة تحليلية لخطاب العرش 2025: سؤال التفعيل وسط هشاشة التمثيل

قراءة تحليلية لخطاب العرش 2025: سؤال التفعيل وسط هشاشة التمثيل

جواد جعواني
صحفي، خبير في التواصل

في كل مرة يُلقي فيها جلالة الملك محمد السادس خطاب العرش، يترسخ لدى المتتبع شعورٌ بأن ملك البلاد يُجدد التزامه الصريح تجاه قضايا الوطن الجوهرية، ويؤكد مرة أخرى إدراكه العميق لاختلالات الواقع. خطاب هذه السنة لم يخرج عن هذا السياق، بل حمل في طياته وعيًا ملكيًا متقدمًا بأهمية تصحيح المسار التنموي، وتعزيز العدالة المجالية، وإعادة بعث الثقة في مؤسسات الدولة. لكن، وللمفارقة، ما يعيق هذا المسار ليس غموض الرؤية، ولا غياب الإرادة، بل هو عطب بنيوي مُزمن في آليات الوساطة السياسية والاجتماعية، التي تحوّلت من أدوات تفعيل وتواصل إلى مصدر للانفصال عن الواقع وفقدان الثقة.
لقد وجه جلالة الملك رسائل واضحة إلى الطبقة السياسية، داعيًا إلى الإعداد المبكر للانتخابات، وتحمل المسؤولية في مواكبة الانتظارات الشعبية. لكن، وكما في مرات سابقة، يبدو أن هذه الدعوات تسقط في فراغ مؤسساتي قاتل. أحزابنا السياسية، في غالبيتها، فقدت وظيفتها التمثيلية، واستقالت طوعًا من أدوارها التأطيرية، وانشغلت بتدبير ما تبقى من النفوذ والامتيازات، بدل التفكير في مقومات الفعل السياسي الجاد. لذلك يبدو المشهد كاريكاتوريًا: خطاب ملكي يستنهض، في مقابل طبقة حزبية تتحرك بالحد الأدنى من الحيوية، وتستجيب – حين تفعل – بمنطق مصلحي لا وطني.
لا نقابات ذات مصداقية، ولا مجتمع مدني حر ومستقل، ولا إعلام قادر على لعب دوره كاملاً كوسيط نقدي ومستنير. المشهد العام تسوده حالة من الشلل، حيث تراجعت مؤسسات الوساطة إلى درجة الانقراض الرمزي. المواطن لم يعد يجد من يمثله، ولا من يتحدث باسمه، ولا من يحمل مطالبه إلى فضاءات القرار. كل هذا أنتج فراغًا سياسيًا خطيرًا، تُملأ مساحاته أحيانًا بالشعبوية، وأحيانًا باللامبالاة، وأحيانًا بالهجرة الجماعية إلى منطق العزوف واليأس.
والأخطر من هذا أن هذا القصور المؤسسي يتزامن مع تراجع مقلق على مستوى الحقوق والحريات. ففي الوقت الذي يدعو فيه جلالة الملك إلى تعزيز التنمية والكرامة، نشهد على الأرض واقعًا تتقلص فيه مساحات التعبير، ويُلاحق فيه الصحافيون والنشطاء، وتُحاصر فيه المبادرات المدنية الحرة. فكيف يُمكن ترجمة الرؤية الملكية إلى واقع منصف، في ظل مناخ يسوده الحذر والتوجس والرقابة الذاتية؟ التنمية لا تُبنى فقط بالمشاريع، بل تحتاج إلى مناخ من الثقة والانفتاح والحوار، وهذا ما يُفترض أن تضمنه المؤسسات الوسيطة، لا أن تتواطأ مع تكلس الأوضاع.
في خطابه، دعا الملك إلى تجاوز نموذج “المغرب بسرعتين”، مؤكدًا أن التنمية لا يمكن أن تستقيم في ظل استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية. لكن السؤال المؤلم هو: من سيتكفل بتصحيح هذا الخلل إذا كانت المؤسسات الحزبية والنقابية عاجزة، والبيروقراطية متكلسة، والثقة الشعبية في أدنى مستوياتها؟ المسؤولية هنا لا تُرمى على رأس الدولة، بل على تلك الفئات التي يفترض أنها تُدبّر الشأن العام وتنزل التوجيهات الكبرى إلى مستوى الفعل الملموس.
ثمّة تناقض صارخ بين نبرة خطاب ملكي يدعو إلى مغرب حديث، منصف، متوازن، وبين ممارسات مؤسساتية تفتقر إلى أدنى درجات الانسجام مع هذا الطموح. وبينما تستمر الدولة في تجديد خطابها وتوسيع أفق رؤيتها، تظل الأحزاب والمؤسسات الوسيطة عالقة في زمن قديم، لا تستوعب حجم التحول ولا تتفاعل معه إلا اضطرارًا، وبعد فوات الأوان.
خطاب العرش لهذا العام، بقدر ما هو وثيقة توجيهية حافلة بالإشارات القوية، هو أيضًا دعوة مفتوحة لتجديد الحياة السياسية من الداخل، والانخراط الجدي في ورش إعادة بناء الثقة. لكن هذه المهمة لن ينجزها الخطاب وحده، بل تحتاج إلى نخب جديدة، ومؤسسات فاعلة، ومجتمع مدني حر، يُترجم التوجيهات العليا إلى واقع يلمسه المواطن، لا مجرد عناوين تُرددها الخطب ثم تُدفنها الممارسات.

الاخبار العاجلة