مصطفى مجبر
في الأيام الأخيرة، تصاعدت موجة تذمر واسعة وسط عدد من المواطنين بجهة فاس-مكناس بسبب ما وصفوه بـ“الارتفاع غير المسبوق” في فواتير الماء والكهرباء، ما أعاد إلى الواجهة سؤال الحكامة والتواصل داخل قطاع حيوي يمس الحياة اليومية للأسر والمقاولات.

المدير العام لـ الشركة الجهوية المتعددة الخدمات فاس مكناس كان قد أكد، في بلاغات رسمية، أن لا زيادة في التسعيرة المعتمدة، موضحاً أن ما وقع يرتبط بعملية مراجعة للعدادات وتصحيح تقديرات سابقة للاستهلاك، بعدما كان يتم احتسابها جزافاً في بعض الحالات.
غير أن هذا التفسير لم يُقنع شريحة واسعة من المرتفقين، الذين يعتبرون أن الفاتورة النهائية هي المعيار الوحيد الذي يعنيهم، بصرف النظر عن المسوغات التقنية أو الإدارية. بالنسبة لهؤلاء، الارتفاع المسجل ـ مهما كان سببه ـ يبقى عبئاً ثقيلاً على القدرة الشرائية، خاصة في سياق اقتصادي يتسم بضغط المعيشة وتزايد التكاليف.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أرقام
جوهر الإشكال اليوم لا يتعلق فقط بقيمة الفواتير، بل بأزمة ثقة تتسع رقعتها.
حين يشعر المواطن أن الفاتورة تضاعفت دون إشعار مسبق أو توضيح مفصل، فإن البلاغات العامة لا تكفي لامتصاص الغضب، بل قد تُفسَّر كخطاب دفاعي لا يلامس جوهر الانشغال.
المطلوب، وفق أصوات عديدة، ليس فقط التأكيد على عدم وجود زيادة رسمية، بل تقديم معطيات دقيقة وشفافة:
• نشر أمثلة موثقة لحالات تمت مراجعة فواتيرها وتصحيحها؛
• توضيح آليات احتساب الاستهلاك بعد تصحيح العدادات؛
• الإعلان عن مساطر واضحة للتظلم والتسوية داخل آجال معقولة.
فالمساءلة المؤسساتية لا تعني الاتهام، كما أن الشفافية لا تعني الإدانة، بل هي شرط أساسي لاستعادة الثقة.
هل يكفي التبرير التقني؟
الإشكال المطروح يتجاوز الجانب التقني المرتبط بالعدادات أو التقديرات السابقة، ليصل إلى سؤال أعمق:
هل تم تدبير مرحلة الانتقال والمراجعة بكفاءة تواصلية كافية؟
وهل تم إشعار المواطنين مسبقاً بوجود فروقات محتملة في الاستهلاك عند تسوية الوضعيات؟
في غياب أجوبة عملية ومفصلة، يتحول النقاش من معطى محاسباتي إلى قضية رأي عام، تتغذى من التذمر اليومي والتجارب الفردية المتداولة على نطاق واسع.
الكرة في ملعب التواصل والشفافية
اليوم، ينتظر المواطن توضيحات عملية أكثر من شعارات تطمينية.
فالخدمة العمومية، خاصة في قطاعات الماء والكهرباء، تقوم على معادلة واضحة: أداء مقابل خدمة، وثقة مقابل شفافية.
وبين بلاغات رسمية تدافع عن سلامة الإجراءات، ومواطنين يطالبون بأدلة ملموسة على عدالة الفوترة، يبقى الرهان الحقيقي هو إعادة بناء جسور الثقة، عبر تواصل استباقي ومعطيات دقيقة قابلة للتحقق.
فهل تبادر الشركة إلى خطوة عملية تُبدد الشكوك وتُغلق باب التأويل؟
أم يستمر الجدل مفتوحاً على مزيد من الاحتقان؟


