فاس… من مستنقع مسبح القرويين إلى دهاليز الجبايات: نفس العبث، نفس الأسماء، ونفس المال العام الضائع

فاس… من مستنقع مسبح القرويين إلى دهاليز الجبايات: نفس العبث، نفس الأسماء، ونفس المال العام الضائع

مصطفى مجبر- المغرب العربي بريس

لم يعد ملف شبهات تبديد المال العام والتلاعب في الضريبة على الأراضي غير المبنية معزولًا عن سياقه، ولا يمكن قراءته خارج مسلسل اختلالات ثقيلة جعلت من فاس عنوانًا لتدبير مرتبك ومثير للريبة. فكما فجر ملف مسبح القرويين موجة غضب واسعة بسبب ما رافقه من شبهات سوء تدبير، وتسيير غامض، واستنزاف للمال العام انتهى بفاجعة وتحقيقات، يعود اليوم شبح العبث ليطل من بوابة الجبايات، مؤكّدًا أن الخلل أعمق من مرفق أو مشروع، وأن المشكلة تكمن في منظومة كاملة.

مسبح القرويين لم يكن مجرد مرفق ترفيهي تحول إلى رمز للفشل، بل كان مرآة كشفت كيف تُدار بعض المرافق العمومية بمنطق الارتجال والتسيّب وغياب المحاسبة، قبل أن تنفجر الفضيحة وتتحرك لجان التفتيش والبحث. واليوم، بنفس المدينة، وبنفس الخطاب المطمئن، وبنفس محاولات التهوين، تتفجر معطيات عن تلاعبات في ملفات ضريبية حرمت خزينة الجماعة من مداخيل كان من المفترض أن تُصرف على إصلاح ما أفسده سوء التدبير، لا أن تضيع في متاهات الإعفاءات المشبوهة.

الربط بين الملفين ليس مزايدة إعلامية، بل ضرورة لفهم ما يجري. ففي ملف مسبح القرويين، قيل إن “الاختلالات قيد التحقيق”، وإن “المسؤوليات ستُحدّد”، لكن الرأي العام تابع كيف طال الزمن، وكيف تآكلت الثقة، وكيف تحوّل الملف إلى جرح مفتوح. واليوم، في ملف الجبايات، يتكرر نفس المشهد: شكايات، تقارير، حديث عن افتحاص، ودخول المجلس الأعلى للحسابات على الخط… لكن دون إجابات واضحة حول من سمح، ومن استفاد، ومن تستر.

ما يزيد من خطورة الوضع هو أن المال العام المهدور في ملف مسبح القرويين كان يمكن أن يُعوّض جزئيًا لو تم تحصيل الجبايات كما يجب، وأن العجز الذي كانت الجماعة تتذرع به لتبرير أعطاب المرافق والخدمات، يتبين اليوم أنه عجز مُصطنع، نتاج تلاعبات وتقصير متعمد، لا قدَرًا ماليًا مفروضًا.

إن فاس اليوم أمام صورة قاتمة: مرافق عمومية تتحول إلى فضائح، موارد ضريبية تُفرّط فيها الجماعة، ومواطن يؤدي الثمن مرتين؛ مرة حين يُفرض عليه الأداء، ومرة حين يُحرم من خدمة لائقة. وفي قلب هذا كله، يظل سؤال المسؤولية معلقًا، يتنقل من ملف إلى آخر دون جواب حاسم.

دخول المجلس الأعلى للحسابات إلى ملف الجبايات، بعد ما عرفته المدينة من هزات بسبب ملف مسبح القرويين، يجب ألا يكون مجرد إجراء إداري، بل لحظة حاسمة لقطع الطريق على تكرار نفس السيناريو. ففاس لم تعد تتحمل فضيحة جديدة تُضاف إلى سجلها، ولا مزيدًا من التحقيقات التي تنتهي بلا محاسبة.

إن ربط مسبح القرويين بملف الجبايات يفضح حقيقة واحدة: المال العام في فاس يُهدر بأشكال مختلفة، لكن بعقلية واحدة. وإذا لم تُفكك هذه العقلية، ولم تُسمَّ الأشياء بأسمائها، فإن المدينة ستظل تدور في حلقة مفرغة من الاختلالات، والضحايا دائمًا هم المواطنون، والتنمية، ومستقبل فاس.

الاخبار العاجلة