عبقرية الزيف و الكذب في زمن المؤثرين .

عبقرية الزيف و الكذب في زمن المؤثرين .

بقلم جليلة بنونة

اأثناء قرائتي لكتاب The Influencer Industry لكاتبته الباحثة إميلي هاند ،اكتشفت ببساطة اننا في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، لم نعد نعيش الحقيقة بل فن الإخراج اليومي. كل شيء يقص ويمنتج ويفلتر قبل أن يصل للجمهور، حتى الوجوه صارت تعاد صناعتها بعد كل بث مباشر. المؤثرون الجدد، أو بعض “صناع المحتوى الزائف”، يظهرون بمظهر القدوة: طيبون، مجتهدون، وطنيون… لكن ما إن تغلق الكاميرا حتى تنكشف الأقنعة.

جماهيرهم ضخمة، أو هكذا يوهموننا. نصفها حسابات وهمية من الخارج ؛ الهند و الصين و مصر، تدار عبر محركات اعجابات وهمية مقابل اثمنة زهيدة، لتصل الاعجابات الآلاف و حتى الملايين، والنصف الآخر متابعون مأجورون أو ساذجون يؤمنون بالصورة الإيجابية المزيفة المصنوعة بإتقان. وقلة قليلة فقط تتابع بدافع الفضول لا الإعجاب.

كم من مؤثرة تبني مجدها الافتراضي على قصة نجاح مصطنعة، تتحدث عن الكفاح والمعاناة، بينما المال يأتي من مصدر مخفي! وكم من مؤثر ديني أو سياسي يستخدم المبادئ و عمل الخير كواجهة، ويقايض الأخلاق بالإعلانات الضمنية أو الشهرة المؤثرة على اصحاب العقول و القلوب الضعيفة!

و الاكثر تداولا المؤثرون إعلاميا بلغة الحق و العدالة او الموجة الرائدة حاليا، المدونون للاراء و الأخبار.. أصبح بعضهم يستثمر المعاناة و الفضائح في محتوى يجذب التفاعل، ويحول الألم والدموع و الفضيحة و الأعراض إلى وسيلة و مادة دسمة لجمع الإعجابات. يتدخل و يفهم في كل المجالات ، الأمن ، القضاء، السياسة، الفن، الإحسان، الإعلام…كل شيء قابل للاستثمار ، حتى القيم الإنسانية. و الربح من ذلك كله ثمين ، سلطة التبعية من الجمهور المخدوع، او قوة الابتزاز و الرضوخ لمصالح خفية خوفا أن تقع يوما ضحية تدويناته.

فأصبح لمن لا صوت له بالحق له صوت ظالم بالفايسبوك و تويتر و إنستغرام، و لمن لا أخلاق له و لا مروءة له جيش يدعمه و يعول على مروءته المزيفة لحل مشاكلهم و اسماع صوتهم. يبحث عن دعم الجميع له و لكنه لا يدعم احدا سوى مصلحته الخاصة و شبكة علاقاته السوداء.
و تدويناته عن الحق و الباطل خاضعة للتفاوض ،فالمصلحة الخاصة ترجح له الحياد أحيانا و مرات تفرض عليه تسليط الضوء على الظلام لا حبا في كشف غطاء الفساد، بل ايضا لمصلحة خاصة لم تقضى.

ولكن الذاكرة الرقمية لا ترحم، الجمهور الذي صنع مجدهم الوهمي هو نفسه الذي سيسحب منهم البساط عند أول انكشاف. فحين تسقط الأقنعة، تظهر الحقيقة: أنهم لم يكونوا مناضلين، بل ممثلين بارعين في مسرح الزيف الرقمي.

و هذا ما تشير اليه الباحثة الأمريكية إميلي هاند في كتابها The Influencer Industry، ان ما نراه على الإنترنت ليس دائما الواقع، بل صورة مصممة بعناية، حيث تتحول الأصالة إلى سلعة، والصدق إلى استراتيجية تسويقية. الواقع المغربي اليوم يؤكد هذا: المؤثر الذي عاش بالكذب، سيسقط بالحقيقة عاجلا أم آجلا.
مصدر الفكرة: The Influencer Industry: The Quest for Authenticity on Social Media – Emily Hund

الاخبار العاجلة