
يونس لكحل
رغم التقدم الذي تعرفه المملكة على مستوى السياسات العمومية والتنمية المجالية بقطاعات مختلفة وبمشاريع كبيرة تستهدف مدن جماعات حضرية ومحيطها عبر ضخ استثمارات بمليارات… ، لكن بالمقابل لا تزال العديد من الجماعات الترابية بجهة فاس مكناس ترزح تحت وطأة إكراهات مالية وتنظيمية تحد من قدرتها على ترجمة هذه السياسات إلى مشاريع ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين.
السبب الرئيسي يعود إلى ضعف الموارد المالية المحلية، إذ تعتمد أغلب الجماعات، خاصة القروية منها، على تحويلات الدولة التي تظل غير كافية لتغطية حاجياتها المتزايدة في مجالات حيوية كالماء، الطرق وغيرها من المجالات التنموية ….، وضعف هذه الموارد يقابله في كثير من الأحيان سوء تدبير لها، أو غياب رؤية واضحة لترتيب الأولويات.
لكن الأزمة لا تقف عند الجانب المالي فقط، بل تتعداه إلى قصور ذاتي في أداء الفاعلين المنتخبين . إذ يفتقد عدد كبير من رؤساء الجماعات والمنتخبين لروح المبادرة والقدرة على الترافع لصالح جماعاتهم أمام المؤسسات الجهوية أو المركزية. ضعف الحس التواصلي وغياب دينامية سياسية لدى بعض المنتخبين يحول دون نسج علاقات التعاون والشراكة الضرورية لتمويل وتنزيل المشاريع.
من جهة أخرى، افتقاد الجماعات الترابية لمنهجية واضحة لتحديد أولوياتها التنموية، وعدم قدرتها على إعداد مخططات جماعية واقعية وفعالة، يزيد الوضع تعقيدًا. بدل التركيز على المشاريع الأساسية كالماء الصالح للشرب، البنية التحتية الطرقية وتحديث المرافق العامة عبر تأهيل المراكز ، تُصرف الموارد القليلة أحيانًا في مشاريع ثانوية لا تُحدث أثرًا حقيقيًا.
لذلك، فإن المرحلة الراهنة تتطلب من الفاعل السياسي المحلي التحلي برؤية تنموية عميقة، معززة بالتحليل والدراسة الدقيقة لحاجيات الساكنة، واعتماد خطاب ترافعي وتواصلي ذكي لجلب الدعم والتعاون من مختلف المتدخلين، سواء من الوزارات المعنية، مجلس الجهة المجالس الإقليمية ، أو القطاع الخاص.
كما أن تفعيل مقتضيات القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية، بشكل فعّال، سيكون حجر الأساس لتجاوز هذا الواقع، بشرط وجود كفاءات سياسية وتقنية على مستوى التدبير والتسيير للشأن العام المحلي .
والواقع الان هو انه لا يمكن فصل ضعف التنمية في بعض جماعات عن ضعف الموارد، ولكن أيضًا عن غياب الإرادة السياسية والرؤية لدى بعض المنتخبين. فالتنمية تتطلب إمكانيات، ولكنها أيضًا رهينة بالكفاءة، الترافع، والتواصل.
كما أن التكوين المستمر للمنتخبين المحليين يكاد يكون بدون نتائج حقيقية واضحة لأسباب مختلفة …، ما يجعل عدداً من المنتخبين يفتقرون للحد الأدنى من المعرفة القانونية والإدارية التي تُمكنهم من إعداد مشاريع حقيقية وقابلة للتنفيذ أو الدفاع عنها أمام الشركاء. فلا يمكن لمجلس جماعي أن ينجح في استقطاب شراكات أو تمويلات وهو يفتقر إلى الكفاءة التقنية والبشرية او حتى المعرفة العامة لواقع الحال …
وهذا القصور طبعا يؤدي أيضاً إلى ضعف إعداد ملفات المشاريع، التي غالباً ما تأتي بناءا على رؤية على مستوى الجهة أو المركز، فتصطدم بمطبات قانونية يكون فيها عجز الفاعل المنتخب في استقراء والتماهي مع ايجاد الحلول واقعا مؤخرا لتنزيل تلك المشاريع والبرامج بل وحتى إلغاءها بعد سنوات …، ما يُفوت على تلك الجماعات الترابية فرصاً مهمة لجلب الاستثمارات أو التمويل من برامج وطنية كالتأهيل الترابي أو برامج الجهة.
في المحصلة، المطلوب اليوم هو تغيير النموذج التسييري التدبيري للمنتخب ، من منطق التدبير اليومي العشوائي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي التشاركي. وهنا تأتي مسؤولية الأحزاب السياسية، التي يجب أن تراهن في استحقاقاتها القادمة على كفاءات حقيقية قادرة على تحويل الجماعات الترابية من كيانات تنتظر من يفعل بها ولها …إلى مؤسسات فاعلة بقدراتها لتحقيق التنمية المجالية الشاملة …

