
في زمن يُفترض أن يكون فيه الحق في الحصول على المعلومة ركيزة أساسية للحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
يحزّ في النفس أن نرى عدداً متزايداً من المسؤولين الحكوميين والمنتخبين محلياً ووطنياً، يختزلون تدبير الشأن العام في “لايفات” فايسبوكية وصور مُعدّة بعناية وخطابات مشحونة بالشعارات تُقدَّم على أنها منجزات تاريخية بينما الواقع اليومي للمواطن يكشف فجوة سحيقة بين ما يُقال وما يُعاش.
لقد تحوّل الضجيج الإعلامي والبهرجة الرقمية إلى بديل رخيص عن العمل الميداني الجاد وأضحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءً لتلميع الصور أكثر من كونها وسيلة للتواصل المسؤول.
يُكثر هؤلاء من التنديد، ويُسهبون في تعداد “إنجازات لا تُحصى” لكنها في الغالب إنجازات مُضخّمة أو مشاريع قديمة أُعيد تسويقها أو وعود لم ترَ النور بعد. الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يُبنى على استهانة واضحة بوعي المغاربة وعلى افتراض أن ضعف الثقافة السياسية أو قلة الاطلاع على تفاصيل الشأن المحلي والوطني كفيلان بتمرير الوهم على أنه حقيقة.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لا يُقدّم هؤلاء حصيلة حقيقية لمنجزاتهم بالأرقام الدقيقة، والآجال ونِسَب الإنجاز وحجم الميزانيات ومصادر التمويل؟ لماذا لا تُفعَّل فعلياً مقتضيات الحق في الحصول على المعلومة وتُنشر المعطيات الرسمية على البوابات الإلكترونية للمؤسسات والمصالح العمومية بدل تركها رهينة طلبات معقّدة أو صمت إداري مريب؟ أليس من حق المواطن أن يعرف لا عبر منشور عاطفي بل عبر وثيقة رسمية ماذا أُنجز فعلاً وماذا فشل ومن يتحمّل المسؤولية؟
الأكثر إثارة للقلق هو لجوء بعض هذه النخب إلى جيوش إلكترونية وحسابات وهمية مهمتها الدفاع الأعمى عن “إنجازات وهمية” ومهاجمة كل صوت نقدي، في محاولة يائسة لصناعة إجماع زائف. لكن الزمن تغيّر والمغاربة لم يعودوا كما يُتصوَّر لهم. فالشعب أصبح أكثر وعياً بما يدور في الكواليس، وبأساليب التلميع التي تشتد حدتها كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية وتجديد النخب.
إن المغرب، وهو يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية وتنموية معقّدة، لا يحتاج إلى مسؤولين بارعين في الإخراج الرقمي، بل إلى كفاءات حقيقية تُتقن التخطيط، وتتحمّل المسؤولية، وتقبل بالمحاسبة. المرحلة لم تعد تحتم مزيداً من التطبيل ولا تسويق الأوهام لأن كل مسؤول (شاء أم أبى)يحمل “لافتته” على ظهره، يقرأها المواطن في جودة الخدمات، وفي الشغل وفي الصحة وفي التعليم، لا في عدد الإعجابات والمشاهدات.
إنها دعوة صريحة إلى القطع مع سياسة الضجيج، والعودة إلى جو العمل العمومي: أرقام حقيقية، معطيات مفتوحة، محاسبة واضحة، واحترام ذكاء المغاربة.
وما عدا ذلك، ليس سوى محاولة يائسة لتأجيل لحظة الحقيقة وهي لحظة لا مفرّ منها.

