ست دقائق تهزّ الثقة في البرلمان… كيف مرت ميزانية 2026 كما لو كانت إجراءً إدارياً؟

ست دقائق تهزّ الثقة في البرلمان… كيف مرت ميزانية 2026 كما لو كانت إجراءً إدارياً؟
مصطفى مجبر
مصطفى مجبر

في صباح باهت من دجنبر 2025 جرت واحدة من أكثر اللحظات دلالة في المشهد السياسي المغربي: المصادقة على قانون المالية لسنة 2026 في ست دقائق فقط.
ست دقائق كانت كافية لتمرير وثيقة تحدد مسار الإنفاق والاستثمار والسياسات العمومية لسنة كاملة دون نقاش فعلي ودون حضور برلماني يُعتدّ به. قاعة شبه فارغة 290 نائباً غائباً بنسبة غياب بلغت 73%، وتصويت صامت يكاد يختزل وظيفة المؤسسة التشريعية في إجراء شكلي.
هنا فقط يطل السؤال الأكبر: من يناقش فعلاً السياسة المالية للدولة؟

خريطة التعديلات تضيف مزيداً من الحرج للمشهد. حين يكون الاتحاد العام لمقاولات المغرب أكثر حضوراً وتأثيراً من أحزاب كاملة داخل البرلمان، ويتقدم بـ48 تعديلاً إضافياً تُقبل نسبة مهمة منها، يصبح واضحاً أن ميزان القوة داخل المؤسسة التشريعية لم يعد يُقاس بعدد المقاعد، بل بقدرة التنظيم والضغط.
هكذا تتشكل السياسة المالية خارج القاعة التي يفترض أن تكون قلب النقاش.

المفارقة تصبح أكثر حدّة حين نضع التجربة المغربية أمام نماذج مقارنة. في فرنسا سنة 2022 اعتُبر تقليص زمن مناقشة الميزانية إلى خمس ساعات “إهانة ديمقراطية”.
خمس ساعات فقط صنعت جدلاً وطنياً أما في المغرب، فتمر الميزانية في ست دقائق دون أن ترتجّ الطبقة السياسية أو ينطلق نقاش عمومي حقيقي. وفي كندا، لا يتصور أحد تمرير الميزانية دون أسابيع من الاستماع والاستشارات والنقاش المفتوح، لأن الميزانية هناك تُعامل باعتبارها رؤية سياسية لا مجرد نص محاسبي.

المشهد المغربي يكشف تحولاً أعمق من مجرد سرعة التصويت.
إنه انعكاس لوضع حزبي مترهّل فقد القدرة على التأطير وعلى تعبئة برلمانييه. غياب ثلاثة أرباع النواب ليس حادثاً تقنياً بل علامة على أحزاب لم تعد تمارس دورها الطبيعي في قيادة النقاش السياسي.
ومع تراجع حضور المنتخبين يتقدم اللوبي من الباب الواسع، ويتحول النقاش من صراع برامج إلى صراع مستويات تأثير.

الأرقام تؤكد هذا الانزياح البنيوي: الحكومة قبلت 72 تعديلاً في مجلس المستشارين من أصل 227، و30 فقط في مجلس النواب من أصل 350. لكن الأهم أن الفاعلين الأكثر تنظيماً باتوا هم من يصيغون التوجهات الكبرى بينما الأحزاب التي يفترض أن تدافع عن مصالح ناخبيها تكتفي بالمشاهدة أو الغياب.

هكذا يتراجع البرلمان من فضاء لإنتاج السياسة المالية إلى محطة تمر عبرها القرارات لا غير والنقاش العمومي يتقلص والدور التشريعي يتآكل والسرعة التي مر بها قانون المالية ليست إنجازاً إجرائياً بل علامة على انتقال مركز القرار بعيداً عن الفضاء المنتخب والأخطر أن الأحزاب، التي كان يُفترض أن تشكل خط الدفاع الأول عن النقاش السياسي بدت غائبة أو صامتة أو منهمكة في خلافات داخلية لا علاقة لها بالوظيفة التي وجدت من أجلها.

ويبقى السؤال مفتوحاً ومقلقاً: إذا كانت وثيقة مصيرية مثل قانون المالية تمر في ست دقائق، فمن يناقش فعلاً مستقبل الإنفاق العمومي؟ وإذا غاب البرلمان، فمن يمارس وظيفة الرقابة؟ وأي شرعية ديمقراطية يمكن بناؤها على نقاش يُختزل إلى أقل مما يستغرقه قراءة فقرة من نص القانون؟ ست دقائق ليست مجرد زمن… إنها رسالة سياسية مكشوفة عمّن يناقش وعمّن يحضر وعمّن يتأثر وعمّن انسحب.

الاخبار العاجلة