لا تُقاس نجاعة السلطة الترابية في لحظات الاستقرار، بل تُختبر حقيقتها في زمن الاضطراب، حين يختل التوازن بين الجغرافيا والمناخ، ويتحوّل الزمن نفسه إلى عامل ضغط حاسم، وتغدو الأرواح رهينة سرعة القرار ودقته. وفي هذا السياق، شكّلت موجة التساقطات الثلجية التي عرفها إقليم إفران لحظة كاشفة لطبيعة الحكامة المعتمدة، وحدود الانتقال من سلطة التدبير الإداري إلى سلطة الرعاية الفعلية.
منذ الساعات الأولى لتهاطل الثلوج، لم يكن التعاطي مع الوضع الصحي للساكنة تعاطيًا ظرفيًا أو ردَّ فعلٍ متأخر، بل جرى اعتماد منطق التتبع الاستباقي للحالات الصحية، خصوصًا في الدواوير الجبلية والمناطق ذات الولوج الصعب أو المهددة بانقطاع المسالك. وقد شمل هذا التتبع المرضى، والنساء الحوامل، والمسنين، والأسر التي وجدت نفسها محاصَرة بعاملين متداخلين: العزلة المناخية وهشاشة الوضع الصحي.
ما يلفت الانتباه في هذا النموذج التدبيري هو كسر التراتبية الزمنية التقليدية للإدارة. فالسلطة، في هذا السياق، لم تعد محكومة بساعات العمل الإدارية، بل أصبحت مرتبطة بزمن الخطر. ويتجلى ذلك بوضوح في التدخل الميداني الذي تم في وقت متأخر من الليل بدوار أسمار، حيث جرى الانتقال لمعاينة حالة صحية حرجة لمسن، وسط ظروف مناخية قاسية، قبل مواكبة الحالة إلى المؤسسة الاستشفائية وتتبعها بشكل مباشر.
من زاوية تحليلية، لا يمكن قراءة هذا التدخل الليلي كواقعة إنسانية معزولة، بل كقرار ترابي محسوب، يعكس وعيًا مؤسساتيًا بأن الزمن الصحي في المجال الجبلي لا يحتمل التأجيل، وأن أي تأخر، مهما بدا بسيطًا، قد يتحول إلى خطر وجودي. هنا، تتحول السلطة من جهاز يُصدر التعليمات إلى فاعل يتحمل القرار وتبعاته ميدانيًا.

غير أن هذا النجاح، بكل ما رافقه من صعوبات مناخية وتعقيدات لوجستية، لم يكن ليتحقق لولا ترسيخ عامل إقليم إفران لمنطق العمل الجماعي، وبنائه لفريق ترابي موحّد يشتغل بروح واحدة. فالتدخل في زمن الثلج والليل الحرج لا يمكن أن يكون ثمرة قرار فردي أو مجهود معزول، بل نتيجة تناغم دقيق بين مختلف المصالح الأمنية والخارجية، والسلطات المحلية، والمصالح الصحية، حيث التقت المسؤوليات وتكاملت الأدوار في زمن واحد وهدف واحد.
لقد أبان هذا النموذج أن تجاوز الإكراهات القاسية لا يتم فقط بالإمكانات التقنية، بل بتوحيد القرار، وتسريع التنسيق الميداني، وتغليب منطق الفريق على منطق التراتبية الجامدة. وهو ما جعل من الصعوبة عنصرًا قابلًا للتدبير، ومن الخطر وضعية قابلة للاحتواء، حيث تحوّل الضغط إلى فعل منظم، والتدخل إلى ممارسة جماعية تعكس نضج القيادة الترابية وقدرتها على إدارة فرق متعددة الاختصاصات بكفاءة وانسجام.
وفي هذا الإطار، تندرج هذه المقاربة ضمن مضامين التوجيهات الملكية السامية التي أكد فيها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من خطاب، أن ساكنة المناطق القروية والجبلية، خاصة بالمجالات ذات الظروف المناخية الصعبة، تستوجب عناية خاصة وتدخلاً استباقيًا من الدولة، قائمًا على القرب، والسرعة، وضمان تكافؤ الحق في الولوج إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الصحة والحياة.
وقد شدد جلالته على أن التفاوتات المجالية لا يمكن معالجتها بالسياسات العامة المجردة أو بالمعالجات المكتبية، بل بالحضور الميداني، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل كرامة المواطن محور الفعل العمومي، خصوصًا في المناطق التي تعاني من العزلة الجغرافية أو التقلبات المناخية القاسية. وهي رؤية تجعل من الرعاية الملكية إطارًا عمليًا موجِّهًا للسلوك الإداري، لا مجرد مرجعية خطابية.
من هذا المنظور، يبرز تدخل عامل إقليم إفران، إدريس مصباح، سواء من خلال التتبع اليومي للحالات الصحية أو عبر التدخل الليلي بدوار أسمار، كنموذج لتجسيد الحكامة الصحية المندمجة، حيث تتقاطع القيادة الترابية مع العمل الجماعي، وتتوحّد مختلف المصالح حول حماية الحياة باعتبارها أولوية مطلقة.
وعليه، فإن تجربة إقليم إفران خلال هذه الموجة الثلجية تطرح نفسها كحالة قابلة للتحليل والتأطير، لا باعتبارها بطولة فردية، بل ممارسة مؤسساتية تعكس تحولًا عميقًا في تمثل وظيفة العامل، من مدبّر ترابي إلى قائد فريق، وضامن لليقظة، وحارس للزمن الحرج، ومجسّد فعلي لمنطق الدولة الاجتماعية كما أرادها جلالة الملك: دولة حاضرة، قريبة، ولا تتأخر حين يصبح التأخر خطرًا.
اريد موان أقوى يتمشى مع المقال

