حين تُشترى التدوينة ويُغتال الوعي: المؤثرون بين الابتزاز الرقمي وتزييف الحقيقة

حين تُشترى التدوينة ويُغتال الوعي: المؤثرون بين الابتزاز الرقمي وتزييف الحقيقة
مصطفى محبر
مصطفى محبر

بقلم : مصطفى مجبر // المغرب العربي بريس

لم تعد ظاهرة تدوينات المؤثرين وأصحاب الصفحات الزرقاء مجرد تعبير عفوي عن الرأي أو اجتهاد شخصي في تقييم الشأن العام بل تحولت في كثير من الحالات إلى سوق مفتوح للمزايدة والابتزاز وتصفية الحسابات.
نراهم اليوم يرفعون شخصيات سياسية وحكومية إلى مصاف “المنقذين” بمديح فجّ وغداً ينقلبون عليهم بلغة قاسية تمس السمعة والحياة الخاصة وحتى الأسر دون ضوابط أخلاقية أو مهنية وكأن الحقيقة سلعة تُباع وتشترى حسب حجم “العطاء”.

السؤال الجوهري ليس لماذا يمدح هؤلاء اليوم ويهاجمون غداً بل: من صنع هذه الظاهرة ومن غذّاها؟ الجواب المؤلم يكمن في أولئك السياسيين والمنتخبين والمسؤولين الحكوميين وشبه الحكوميين الذين فتحوا الباب على مصراعيه لثقافة “أعطني أمدحك، امنعني أفضحك”.

أموال وهبات وامتيازات تُقدَّم مقابل تدوينات تمجّد “إنجازات” غالباً ما تكون وهمية أو مبالغاً فيها دون سند من معطيات دقيقة أو أرقام موثوقة في عملية تضليل ممنهجة للرأي العام هدفها الوحيد المزيد من الكسب والشهرة.

هؤلاء المؤثرون إلا من رحم ربك لا يشتغلون بمنطق البحث والتحقق والاستقصاء بل بمنطق عدد المتابعين وسرعة الانتشار مستندين إلى وهم التأثير والقوة الرقمية. يكررون نفس السلوك حتى يصبح “عادة” ويصدق فيهم المثل العربي: “علّمها عادة قطعها عادة عليها تتعادى” حيث يصعب التراجع عن مسار قائم على الابتزاز الناعم وتزييف الوعي.

وعلى النقيض من ذلك يظل العمل الصحفي المهني محكوماً بضوابط واضحة: التحقق من المعلومة الاستقصاء والنقد البناء والالتزام بأخلاقيات المهنة.
الصحفي لا يكتب وفق مزاجه ولا وفق ما يُعرض عليه من إغراءات بل يخضع ما ينشره لخط تحريري ولملاحظات رئيس التحرير ومدير النشر وهو مسؤول قانونياً وأخلاقياً عن كل كلمة يخطها ،هنا يكمن الفرق الجوهري بين صحافة مسؤولة ومحتوى رقمي منفلت.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط تشويه صورة الفاعلين العموميين بل ضرب الثقة في الخطاب العام، وتكريس منطق الريع الرقمي على حساب الحقيقة. فالشخص الذي يُمدح اليوم بلا استحقاق سيُجلد غداً بلا مهنية، والضحية في الحالتين هو وعي المواطن.

كفى من ثقافة “أعطني نعطيك” تحت ذريعة عدد المتابعين وصناعة الشهرة الزائفة ،فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بالأرقام بل بالمصداقية وما بُني على باطل يظل باطلاً مهما حصد من إعجابات ومشاركات.

الاخبار العاجلة