
بقلم جليلة بنونة
لم يعد مقبولا، لا أخلاقيا ولا وطنيا، أن يظل النقاش حول أولوية تشغيل الشباب المغربي واستقراره محاطا بتهمة “العنصرية”. فالدول لا تبنى بالنوايا الحسنة وحدها، بل بالترتيب العقلاني للأولويات. وشعار المرحلة يجب أن يكون واضحا وصريحا.. شبابنا أولا، تشغيله أولا، استقراره أولا.
هذا الطرح لا يستهدف الأجنبي، ولا يقصيه بدافع الكراهية، بل يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي. فواجب الدولة والمجتمع أن يهيئا الحياة الكريمة لأبنائهما، من صلب هذا الوطن، قبل أن يتفرغا لإحسان مشروع تجاه غيرهم. هذا منطق الدول الرصينة، لا نزعة عدائية ولا انغلاقا.
لقد كشفت التظاهرة الأخيرة المتمثلة في المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا التي جمعت المغرب و السينيغال، وبحدة، عن مفارقة مؤلمة.. كيف يمكن لمدرب رياضي أو فني أو إعلامي يحمل جنسية دولة أخرى أن يستفيد من مناخ الثقة والاحتضان داخل المغرب، ثم لا يتردد في تحريك الجماهير بإصبع واحد لإهانة البلد أو ابتزازه، ناسفا ما راكمه من “مجد” مزعوم؟
الأخطر من ذلك هو صمت دولته ومؤسساتها عن هذا السلوك، وهو صمت لا يمكن قراءته إلا كتطبيع مع الإهانة وتشجيع غير مباشر عليها.
هنا، لا بد من وقفة صارمة.
المغرب احترامه اكبر بكثير ، و لا مجال للمساومة على كرامته الرمزية، ولا يقايض سيادته المعنوية بأي مصلحة ظرفية.
والرد الصريح، الحازم، ليس تصعيدا عبثيا، بل تجسيد لحكمة قديمة تختصر التجربة المرة: اتق شر من أحسنت إليهم.
إن الدرس الذي ينبغي الاتعاظ منه اليوم يتجاوز الأفراد إلى السياسات. لقد آن أوان إعادة تقييم علاقاتنا الخارجية، خصوصا حين يتحول خطاب “التضامن” إلى طريق ذي اتجاه واحد. لا يمكن للمغرب أن يواصل رفع غيره، بينما تسحب قدماه إلى الوحل ذاته الذي يحاول إنقاذ الآخرين منه. فالتكافل لا يعني الاستنزاف، والريادة لا تعني الاستباحة.
يشبه وضع المغرب وسط محيطه الإفريقي تلك “العروس الجديدة” المتفوقة، التي لما دخلت بيتا عامرا بالحساسيات، اتفقت الأخريات على كسرها بدل الارتقاء معها. تشبيه قاس، لكنه يختصر منطق الغيرة السياسية حين تقابل النجاحات بالعرقلة لا بالتكامل.
وتستدعي الذاكرة هنا حكاية رمزية عن قرية غادر رجالها للتجارة، فهوجمت من غزاة اعتدوا على معظم نسائها، إلا واحدة قاومت دفاعا عن شرفها وكرامتها، وقتلت المعتدي وخرجت تصرخ بالحقيقة. المفارقة أن بقية النساء قررن قتلها خشية أن تفضح استسلامهن. هكذا تحارب المقاومة أحيانا لأنها تدين الصمت، لا لأنها أخطأت بل لانها تميزت رغم كل التحديات و لم تستسلم للفشل.
في هذا السياق، يستعيد قول المفكر المغربي عبد الله العروي راهنيته: “المغرب جزيرة”. ليس المقصود الانعزال، بل الوعي بالخصوصية، وبناء السياسة الخارجية على أساسها. فـالتلاحم الداخلي قبل الخارجي، والإصلاح الداخلي قبل أي اندفاع خارجي.
الخلاصة بسيطة وعميقة في آن.. لا تنمية بلا إنصاف داخلي، ولا كرامة خارجية بلا صلابة داخلية. حين نضع شبابنا أولا، لا نغلق الأبواب، بل نؤسس لبيت قوي يستطيع استقبال الضيف مرفوع الرأس، لا متكئا على هشاشة أبنائه.

