بقلم ذة جليلة بنونة
تتجول في شوارع الدار البيضاء ،مراكش أو سطات، فترى وجوها صغيرة تحمل براءة مشروخة بملامح الحاجة، أياد ممدودة تستجدي دريهمات عابرة، وأقدام حافية تدوس على قسوة الأرصفة. ظاهرة تسول الأطفال في المغرب لم تعد مشهدا عرضيا يثير الشفقة فقط، بل تحولت إلى معضلة اجتماعية عميقة، وواجهة لخلل بنيوي يجمع بين الفقر، الهشاشة، غياب الحماية، واستغلال منظم يصل إلى حدود “صناعة” مربحة تدار بعقول إجرامية وضمائر غائبة.
الأرقام وحدها كفيلة بفضح حجم الكارثة. تقارير المجتمع المدني رفعت منذ سنوات تقديرات الأطفال الذين يعيشون في الشارع إلى أكثر من 25 ألف طفل، فيما بلغ عدد الأطفال في وضعية هشة حوالي مليون، منهم مئات الآلاف خارج أسوار المدرسة، وآلاف آخرون يشتغلون في سن مبكر. ومع بداية 2025، جاءت الأرقام أكثر صدمة: ربع الأطفال المتسولين يستغلون من طرف شبكات أو حتى من أسرهم مقابل مبالغ يومية تتراوح ما بين 50 و100 درهم للطفل الواحد، في حين يصل دخل المتسول البالغ إلى 400 درهم في اليوم. إنها تجارة مربحة تقوم على استغلال الطفولة كواجهة للابتزاز العاطفي.
وراء هذه الظاهرة المعقدة أسباب متداخلة. الفقر العائلي يظل المحرك الأول، إذ يدفع الطفل في كثير من الأحيان إلى الشارع بحثا عن مورد يضمن قوت أسرته. لكن الفقر ليس سوى رأس جبل الجليد، فالواقع يكشف عن تفكك أسري متزايد، عنف منزلي ومدرسي، وهدر مدرسي يترك وراءه جيوشا من الأطفال بلا أفق. ولأن الشارع لا يرحم، يجد هؤلاء أنفسهم تحت رحمة شبكات تتقن تنظيم التسول، وتوزيع الأدوار، وحتى “تأجير” الأطفال بين العصابات كما لو كانوا سلعا.
ومع الشارع يأتي العنف المضاعف. أطفال يتعرضون للتحرش الجنسي والاستغلال الجسدي والنفسي، يعيشون في فوضى جماعات يقودها “زعماء” صغار يفرضون التسول والسرقة والمخدرات كطقوس يومية للبقاء. الغراء والمذيبات الرخيصة تتحول إلى ملاذ و مخدر لتخفيف الألم، لكنها تدمر العقول وتربط الطفولة بإدمان مبكر. في قلب هذه الدوامة، لا يجد الطفل سوى جسده وعمره الصغير كوسيلة بقاء، في مواجهة مجتمع يشيح بوجهه أو يكتفي بالشفقة العابرة.
لكن الدولة لم تبق مكتوفة الأيدي. منذ 2019، أطلقت وزارة التضامن برنامجا وطنيا لحماية الأطفال من الاستغلال في التسول، مع خدمات ميدانية مثل “السامو الاجتماعي” الذي يقدم الرعاية والإيواء المؤقت. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، ظلت محدودة مقارنة بالانتشار الواسع للظاهرة. سنة 2025، عادت القضية إلى الواجهة بقوة مع تقارير عن تفشي الظاهرة في سطات والدار البيضاء، ومداهمات أمنية أفضت إلى توقيف مئات المتورطين في شبكات استغلال الأطفال. إلا أن المراقبين يؤكدون أن الحل الأمني وحده لا يكفي ما لم يتعزز ببرامج إدماج اجتماعي وتعليمي جذري.
الحل الحقيقي يمر عبر أكثر من مدخل: قانون صارم يردع كل من يستغل الأطفال في التسول أو يشرعن لهم التواجد في الشارع، مدارس قادرة على احتضان التلاميذ ومنع الهدر المدرسي بدل دفعهم نحوه، حماية اجتماعية تستوعب الأسر الفقيرة وتمنعها من دفع أبنائها إلى الأرصفة، ومؤسسات قادرة على تقديم بدائل حقيقية للأطفال في وضعية الشارع من تكوين مهني، علاج نفسي، وفرص إدماج حقيقية. الأهم من ذلك هو كسر دائرة التواطؤ الصامت التي تجعل المارة يعتبرون أن “دريهمات صغيرة” كافية لمساعدة طفل متسول، بينما الحقيقة أنها تساهم في إطالة عمر استغلاله من طرف اللوبيات التي تقف خلف الكواليس.
تسول الأطفال في المغرب ليس فقط أزمة طفولة مسروقة، بل هو جرح مفتوح في جسد المجتمع برمته. كل طفل يترك في الشارع هو مشروع مواطن غاضب، ضحية محتملة للعنف أو للجريمة أو للإدمان. إنها مسألة لا تتعلق بالشفقة بل بالعدالة الاجتماعية، ولا تقاس بحجم الدريهمات التي تلقى في يد صغيرة، بل بمدى استعداد المغرب والمجتمع لحماية مستقبل أجياله. إن لم يتم كبح هذا النزيف اليوم، فالمغرب غدا سيدفع ثمن أطفاله الذين تركوا يتسولون على قارعة المستقبل.

