
مصطفى مجبر
في بلد يعاني مواطنوه يوميًا في طوابير المستشفيات العمومية، وتحت أقسام مكتظة بالمدارس، لا يتوقف الجدل حول جدوى المهرجانات الغنائية التي تُنفق عليها الملايين. بين من يعتبرها “واجهة إشعاع ثقافي وسياحي”، ومن يراها “ترفًا غير مبرر”، يظل السؤال الحارق: أيهما أولى، سهرات مؤقتة أم استثمار دائم في صحة وتعليم وكرامة المواطن؟
الأرقام تكشف حجم العبث. المغرب لا يتجاوز فيه عدد الأطباء العاملين في القطاع العمومي 15 ألف طبيب لأكثر من 36 مليون نسمة، أي طبيب واحد لكل 2400 شخص تقريبًا. في التعليم، ما يزال أكثر من 25 ألف قسم مشترك، بينما مئات الآلاف من التلاميذ ينقطعون سنويًا عن الدراسة، خصوصًا في القرى والبوادي.
وإذا كانت المدن تعاني نقصًا فادحًا، فإن القرى والبوادي تعيش التهميش في أبشع صوره: طرق غير معبدة، أقسام مهترئة بلا مقاعد ولا تدفئة، غياب النقل المدرسي، ومستوصَفات مغلقة أو بلا أطر طبية. ورغم ذلك، ترصد الجماعات ميزانيات ضخمة لمهرجانات محلية تحت ذريعة “تشجيع السياحة” و”التعريف بالمنطقة”. لكن أي تعريف أجدى من مدرسة مجهزة؟ وأي تسويق أنفع من طريق معبدة أو مستوصف مجهز؟
الحقيقة أن المستفيد الأول من هذه السياسات ليس المواطن البسيط، بل ذلك الفنان الذي يعتلي المنصة ساعة واحدة ليحصد مئات الملايين، أحيانًا بعملة صعبة، دون أن تؤدي أجرته ضرائب حقيقية تدخل خزينة الدولة. في المقابل، المواطن الذي يدفع الضريبة على أبسط سلعة يشتريها لا يجد سريرًا في مستشفى ولا مقعدًا في قسم مدرسي لابنه.
من هنا، يصبح من الواجب على المسؤولين وأصحاب القرار أن يعيدوا التفكير مليًا في هذه المعادلة. لماذا لا يتم، ولو كتجربة لسنة أو سنتين، صرف تلك الأموال التي تُهدر على المهرجانات في تعزيز الخدمات الصحية، وبناء المدارس، وتعبيد الطرق، وتجهيز النقل المدرسي والمستوصفات؟ بلا شك، النتيجة ستكون أكثر نفعًا وعدلًا، وستعود ثمارها على الجميع، مواطنين ودولة، بدل أن تُهدر الملايين في سهرات تنتهي بانطفاء الأضواء.

