العاملة نورة بطنجة… حين يصبح العمل عقابا وتكافأ الشجاعة بالطرد.

العاملة نورة بطنجة… حين يصبح العمل عقابا وتكافأ الشجاعة بالطرد.

بقلم جليلة بنونة

لم تكن السيدة نورة تبحث عن “ترند”، ولا عن شفقة افتراضية، ولا عن بطولة زائفة. كانت فقط تحكي ما تعيشه يوميا داخل معمل خياطة بمدينة طنجة: عمل شاق، ساعات طويلة، أجر لا يتجاوز 1070 درهما في الشهر، وغياب تام لأبسط شروط الكرامة التي يفترض أن يؤطرها قانون الشغل.

حين قررت أن تتكلم، أن تشارك متابعيها على صفحتها الخاصة حقيقة ظروفها المهنية، لم تطلب أكثر من حقها في التعبير. لكن الرد كان قاسيا ومألوفا في الآن ذاته: الطرد.

واقعة نورة ليست الوحيدة بل مرآة لواقع أوسع يفضل الصمت على الحق، والخضوع على القانون.
اليوم، تحاول المرأة المغربية أن تفرض وجودها في سوق الشغل، لا كرقم تكميلي، بل كفاعل أساسي. كثيرات لا يعملن لتحسين الدخل فقط، بل لإعالة أسر كاملة، وللقيام بدور “الولي” اقتصاديا واجتماعيا. غير أن هذا الحضور المتنامي للنساء ترافقه، في حالات كثيرة، أشكال خفية وعلنية من الاستغلال المبني على النوع الاجتماعي.

صرنا نسمع عبارات تقال بلا حرج:
“من الأفضل تشغيل النساء”،
ثم تأتي الجملة المكملة التي لا تقال دائما بصوت مرتفع:
“لأنهن يعملن بجد، لا يشتكين، لا يحتجن، ولا يطالبن كثيرا… عكس الرجل”.

هذه العبارات لا تمجد المرأة، بل تدفن معنى التمكين الاقتصادي. هي ترى في العاملة طاقة صامتة قابلة للاستنزاف. وهذا في جوهره استغلال صريح لمجهود النساء تحت غطاء “الفرصة” و”التشغيل”.

قانونيا مدونة الشغل المغربية واضحة وإن كان تطبيقها ضعيفا.
السميك (الحد الأدنى القانوني للأجر في القطاع الخاص) محدد بمرسوم حكومي ولا يجوز بأي حال من الأحوال النزول عنه و عدد ساعات العمل القانونية محدد في 44 ساعة أسبوعيا، وكل ساعة إضافية يجب أن تؤدى عنها تعويضات مضاعفة.
الأعمال التي تنطوي على مخاطر أو مجهود بدني شاق تستوجب تعويضات خاصة، إضافة إلى شروط السلامة والصحة المهنية.

لكن بين النص القانوني وواقع المعامل، فجوة سحيقة.
فكم من عاملة تشتغل أكثر من عشر ساعات يوميا دون تصريح؟
وكم من أجير يتقاضى أجرا لا يلامس حتى الحد الأدنى؟
وكم من صوت اختنق لأن “الكلام يكلف العمل”؟

نفرح نعم حين نسمع أن قطاعا ما وظف عددا أكبر من النساء. لكن السؤال الذي يجب أن يطرح بصدق:
هل هو توظيف من أجل التمكين؟
أم من أجل استغلال الصمت، والخوف والحاجة؟
هذا لا ينفي أن هناك نساء يطالبن بحقوقهن، يشتكين، يناضلن، ويكسرن دائرة الخضوع، لكن الثمن غالبا ما يكون باهظا، كما حصل مع نورة.
و في رسالة محملة بالمسؤولية الى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، السيد يونس السكوري نقول:

عاملة الخياطة بطنجة ليست الوحيدة …خلف أبواب الكثير من المصانع والشركات وفي عمق القطاع الخاص، يوجد آلاف العمال والعاملات، بل وأطر أيضا يعانون شهريا ويوميا من أجور هزيلة و متأخرة ومن ظروف عمل لا تحترم لا كرامتهم ولا إنسانيتهم.

هذا الوضع لم يعد مقبولا.
القانون موجود لكن بدون مراقبة صارمة، وبدون حماية فعلية للمبلغين عن الخروقات، يصبح القانون حبرا على ورق، ويصبح الصمت هو العملة الوحيدة المتداولة.

الاخبار العاجلة