مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تعرف الساحة الإعلامية الوطنية حركية ملحوظة، حيث تتكاثر البرامج الحوارية وتتنوع اللقاءات بين القنوات التلفزية والإذاعية والمواقع الإلكترونية. ويُعد هذا الزخم أمراً طبيعياً في سياق شهر يحظى بنسبة متابعة مرتفعة، ويشكل موسماً إعلامياً بامتياز، سواء لدى القنوات العمومية أو القنوات الخاصة ، فضلاً عن المنصات الرقمية.
غير أن هذا الحراك، رغم كثافته، يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المضامين المقدمة. فالملاحظ أن جزءاً مهماً من الحوارات الرمضانية يعيد إنتاج مواضيع سبق استهلاكها لسنوات، سواء تعلق الأمر باستعادة محطات تاريخية معروفة، أو نبش قصص فنية وشخصية تم تناولها مراراً، دون تقديم إضافة نوعية أو زاوية معالجة جديدة.
تعتمد بعض المنابر على مواضيع “مضمونة” من حيث سهولة الإعداد وجاذبية الأسماء المستضافة، وهو خيار قد يُفهم من زاوية التدبير البرامجي وضغط الزمن الرمضاني. غير أن الإعلام، في جوهره، لا يقوم على إعادة تدوير المحتوى، بل على التجديد ومواكبة المستجدات وصناعة النقاش العمومي.
إن قوة أي حوار إعلامي لا تكمن في اسم الضيف فقط، بل في راهنية الموضوع، وجرأة الطرح، وعمق الأسئلة. وعندما تتحول اللقاءات إلى مساحات لاسترجاع وقائع طواها الزمن، دون ربطها بسياقها الراهن أو إسقاطها على التحولات الحالية، فإنها تفقد قيمتها التنويرية، وتتحول إلى مادة عابرة لا تترك أثراً في وعي المتلقي.
في المقابل، يزخر الواقع المغربي بملفات حارقة تستحق أن تتصدر الحوارات الرمضانية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالحياة اليومية للمواطنين. فملف غلاء الأسعار، واستمرار ارتفاع أثمنة عدد من المواد الأساسية كالخضر واللحوم والأسماك، يظل من أبرز الانشغالات التي تؤرق الأسر المغربية. كما أن سؤال الثقة في العمل الحزبي، وأسباب تراجع التأطير السياسي، ونفور فئات واسعة من المشاركة الحزبية، يشكل بدوره محوراً أساسياً في النقاش العمومي.
هذه القضايا، وغيرها، ليست مجرد عناوين عابرة، بل رهانات مجتمعية تفرض على الإعلام أن يفتح بشأنها نقاشاً هادئاً ومسؤولاً، يستضيف فيه الفاعل الحكومي، والخبير الاقتصادي، والممثل الحزبي، ومكونات المجتمع المدني، في إطار توازن مهني يتيح تعدد وجهات النظر.
لا يمكن تجاهل التحولات التي يعرفها جمهور الإعلام، خاصة فئة الشباب، التي باتت تميل إلى المحتوى السريع والمرتبط بالمستجدات، وتتابع الشأن العام عبر المنصات الرقمية أكثر من متابعتها للبرامج التقليدية. غير أن هذا المعطى لا يعني عزوف الجيل الحالي عن الحوار في حد ذاته، بل يعكس حاجة إلى حوار مختلف في الشكل والمضمون، يلامس قضاياه المباشرة ويعالجها بلغة واضحة وشفافة.
إن الحوارات الرمضانية تمثل فرصة حقيقية لتعزيز دور الإعلام كسلطة رابعة تواكب التحولات، وتطرح الأسئلة الجوهرية، وتفتح المجال لنقاشات مسؤولة حول أولويات المرحلة. أما الاكتفاء بإعادة إنتاج مواضيع مستهلكة، فقد يحقق حضوراً ظرفياً، لكنه لا يراكم قيمة مهنية ولا يرسخ ثقة المتلقي.
المطلوب اليوم ليس مجرد تنويع في الضيوف، بل تجديد في الرؤية التحريرية، وانتقال من منطق “ملء الشبكة البرامجية” إلى منطق صناعة محتوى يعكس نبض الشارع، ويضع القضايا الآنية في صلب الاهتمام، بما يعزز دور الإعلام كشريك أساسي في بناء وعي مجتمعي مستنير ومسؤول.
الحوارات الرمضانية بين منطق التكرار وضرورة مواكبة نبض الشارع

