الإعتقال وتأييد الحكم على صنصال… حين يُخيف التاريخ نظام العسكر ، وتفوح روائح البترودولار من الشعارات الإنتقائية لمنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان …

الإعتقال وتأييد الحكم على صنصال… حين يُخيف التاريخ نظام العسكر ، وتفوح روائح البترودولار من الشعارات الإنتقائية لمنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان …

يونس لكحل

الإعتقال و تأييد الحكم من طرف النظام العسكري الجزائري على الكاتب والمؤرخ بوعلام صنصال بالسجن لخمس سنوات، بعد توقيفه بمطار هواري بومدين بالجزائر قبل شهور ، لأنه تجرأ على قول الحقيقة التاريخية التي يحاول النظام العسكري الجزائري طمسها منذ عقود… صنصال، المفكر والمثقف المعروف بمواقفه الجريئة، صرّح بأن فرنسا الاستعمارية اقتطعت أراضٍ من المملكة المغربية وألحقتها بالجزائر، وهو تصريح يستند إلى وثائق تاريخية محفوظة في الأرشيف الفرنسي بشهادات مؤرخين كثر .
لكن الحقيقة كما يبدو، أصبحت جريمة في عرف السلطة الجزائرية التي تخشى كشف أصل الخرائط المصطنعة التي رسمها المستعمر الفرنسي، ليس فقط على حساب المغرب، بل كذلك على حساب دول مجاورة كليبيا وتونس ومالي. فما لم يقله صنصال علناً، قالته الخرائط والمعاهدات السرية : الجزائر الحالية هي صنيعة استعمارية في جغرافيا مفروضة، لا تعترف بها لا الذاكرة التاريخية، ولا المنطق الجغرافي، ولا الواقع القبلي.، والرد العنيف من النظام الجزائري على صوت مثقف مسالم ومريض ومسن ، يشي بمدى إرتباك وخوف هذا النظام من أي محاولة لإعادة قراءة التاريخ بعيداً عن بروباغندا الاستبداد .، فتعذيب رجل مسن، وسجنه لخمس سنوات، والتنكيل به فقط لأنه نبش في ذاكرة استعمارية مؤلمة، يكشف عن دولة ترتعد من الحقيقة ،
والغريب في كل ذلك، هو الصمت المُخجل، فـالمنظمات الحقوقية التي لطالما صدّعت العالم بخطابات الدفاع عن حرية التعبير وحقوق الإنسان، تقف في هذه القضية صامتة أمام فضيحة حقوقية مكتملة الأركان. فهل استطاع البترودولار الجزائري إسكات هذه الأصوات؟ وازدواجية المعايير باتت قاعدة في التعامل مع الأنظمة الاستبدادية والتي تدفع بسخاء …؟!
فإعتقال صنصال لا يمس فقط حرية فرد، بل هو اعتداء سافر على الذاكرة الجماعية، على البحث الأكاديمي، وعلى الحق في مساءلة التاريخ. فالنظام الجزائري لا يعاني من أزمة حدود فقط، بل من أزمة شرعية تاريخية، يحاول إخفاءها بالحديد والنار… لكن الحقيقة التاريخية، مهما طُمست، تبقى أقوى من السجون. وقضية اعتقال المفكر بوعلام صنصال، ليس فقط تعسف لنظام العسكري ، بل تتعدى ذلك الى خطورة تكريس صمت المنظمات الدولية والجمعيات الحقوقية التي يُفترض أن تكون صوت المظلومين ودرعاً لحرية التعبير . صمت أصبح دليل على هيمنة المال .. ، عائدات النفط والغاز التي تحولت إلى أدوات ضغط وشراء ذمم داخل دوائر الدفاع عن الحقوق والحريات وهذه هي الحقيقة الماثلة امامنا بقليل من التحليل والدراسة ، وشاهدوا ماذا تفعل الخارجية الجزائرية في دواليب الاتحاد الافريقي ( قضية الحقائب المالية والتي توزع لشراء المواقف ) … فريع عائدات البترول الجزائري، الذي يُنهب داخلياً ويُستعمل خارجياً كوسيلة لتبييض صورة النظام أو إخماد أي صوت ينتقده وشراء المواقف ، تمادى وأضحى يستثمر في تدجين مواقف بعض المنظمات الحقوقية … ، التي باتت تمارس الانتقائية في التنديد والانتصار لضحايا قمع حرية التعبير ، وبهكذا وقائع فالتحرك الحقوقي بات رهيناً لتوازنات ومصالح اقتصادية مالية ، وبدلاً من أن تكون تلك الهيئات جبهة ضغط دولية على الأنظمة القمعية، تحوّلت أحياناً إلى دروع صامتة تشرعن الانتهاكات بصمتها . ما دفع برائحة البترودولار لتفوح بكل قوة من تلك المواقف المزدوجة ، خصوصاً حين تُختزل قضايا حرية التعبير في ملفات إنتقائية ..فإسكات الحقيقة بالمال لن يؤبد الإستبداد ولن تكون له شرعية طال الزمن أو قصر والتاريخ أمامنا شاهد … . ومحاولة خنق الأصوات الحرة للمفكرين والكتاب ستزيد في كشف هشاشة الأنظمة العسكرية الإستبدادية وخوفها من الحقائق التاريخية …

الاخبار العاجلة