
كان حضور نزار بركة في نقاش سياسي على القناة الثانية مناسبة انتظرها الكثيرون لتوضيح مواقف الحكومة من قضايا ملتهبة تشغل الرأي العام، لكن المفاجأة جاءت من الرجل نفسه، حين اختار أن يُعرّف عن نفسه قائلاً: “أنا هنا كأمين عام لحزب الاستقلال”، في ما بدا محاولة مكشوفة للتنصل من المسؤولية الحكومية، وإلقاء القبعة الوزارية جانباً بمجرد أن اشتدّ النقاش.
ذلك الموقف، الذي أثار استغراب المتتبعين، لا يمكن قراءته إلا كإشارة إلى هروب سياسي من مواجهة الواقع. فبركة ليس مجرد أمين عام لحزب عريق، بل هو وزير في حكومة قائمة، يستفيد من صلاحياتها وامتيازاتها ونفوذها، ويتقاضى أجراً وتعويضات باسمها. وعليه، فإن أي نقاش عمومي أو مساءلة سياسية تهم هذه الحكومة لا يمكنه أن يتنصل منها أو يضع نفسه خارجها.
السياسة مسؤولية قبل أن تكون موقعاً، ومنطق “أنا هنا كزعيم حزب لا كوزير” يعكس أزمة أعمق تعانيها الحكومة الحالية: غياب الانسجام وتوزيع الأدوار على أساس المصلحة لا الموقف. ففي الوقت الذي يتصاعد فيه الغضب الشعبي بسبب فشل الحكومة في ملفات التعليم والصحة وغلاء المعيشة، يختار بعض الوزراء التواري خلف لافتات حزبية لتخفيف الضغط عن أنفسهم، وكأنهم لم يشاركوا في صناعة القرار.
القائد الحقيقي، كما يُقال، هو من يبقى على ظهر السفينة حين تغرق، لا من يقفز منها أولاً. والصدق السياسي يُقاس بمدى استعداد المسؤول لتحمّل تبعات اختياراته، لا بالقدرة على التملص منها تحت أضواء الكاميرات.
إن الحكومة المغربية ليست مكوّنة من حزب واحد، فإلى جانب التجمع الوطني للأحرار، هناك أيضاً الأصالة والمعاصرة والاستقلال، وكلها أطراف شريكة في القرار والتنفيذ والمسؤولية. التذكير بهذا ليس من باب اللوم، بل من باب الإنصاف والشفافية السياسية، لأن النقد الموجّه للحكومة يجب أن يشمل جميع مكوّناتها، لا أن يُلقى على طرف واحد بينما يتخفى الآخرون خلف شعارات حزبية.
لقد أضاع نزار بركة فرصة ثمينة ليمارس دوره كوزير مسؤول، يواجه الأسئلة بشجاعة ويتحمل تبعات السياسات التي ساهم في صياغتها. ومهما حاول البعض تبرير موقفه، فإن المشهد الذي رآه المغاربة كان واضحاً: رجل دولة يختار موقع المتفرج لا موقع الفاعل.
وفي زمن الأزمات، لا يرحم التاريخ من يهرب من المعركة.

