ليست كل المدن قادرة على أن تحوّل نظافتها إلى خبر، ولا كل الأقاليم تستطيع أن تجعل من صورتها البيئية عنوانًا يتردد في التصنيفات الدولية. لكن مدينة افران ، الواقعة في قلب الأطلس المتوسط، نجحت مرة أخرى في كتابة فصل جديد من حكاية استثنائية، بعدما تصدرت ترتيب أنظف المدن في القارة الإفريقية، وفق تصنيف تداولته منصات إعلامية دولية ، متقدمة على مدن بارزة مثل Kigali وPort Louis.
غير أن هذا التتويج لا يمكن قراءته بلغة الأرقام وحدها، لأن ما يحدث في إفران يتجاوز فكرة النظافة كخدمة يومية، ليتحول إلى ثقافة ترابية كاملة تُدار بعناية دقيقة، حيث تصبح الشوارع واجهة حضارية، والفضاءات الخضراء رسالة بيئية، والنظام العمراني مرآة لمدينة تعرف جيدًا كيف تحمي هويتها.

في العمق، هذا المشهد ليس وليد الصدفة. فداخل إقليم إفران تشكلت خلال السنوات الأخيرة مقاربة تدبيرية جديدة، جعلت من جمالية المجال ورونق الفضاء العام جزءًا من معادلة التنمية المحلية. وهي مقاربة تجد محركها في الدينامية الإدارية التي يقودها عامل الإقليم إدريس مصباح الذي اختار منذ توليه المسؤولية أن يضع “هيبة المجال” في قلب فلسفة التدبير الترابي.
بهذا المعنى، لم تعد النظافة مجرد عملية تقنية مرتبطة بجمع النفايات، بل تحولت إلى رؤية شاملة تتقاطع فيها السلطة المحلية والجماعات الترابية ومختلف الفاعلين، في إطار تصور يعتبر أن صورة المدينة هي رأس مالها الرمزي الأول.
فالزائر الذي يدخل إفران لا يلاحظ فقط شوارع مرتبة وحدائق أنيقة، بل يلمس نظامًا غير مكتوب يحكم تفاصيل الحياة اليومية: أرصفة تحترم هندستها، فضاءات خضراء تحافظ على توازنها الطبيعي، ومدينة تبدو كأنها تعيش في انسجام دائم مع طبيعتها الجبلية.
هذه الفلسفة في التدبير لا تنفصل عن رؤية أوسع داخل الإقليم، حيث أصبح الحفاظ على البيئة جزءًا من استراتيجية التنمية السياحية والاقتصادية. فالنظافة هنا ليست رفاهية جمالية، بل استثمار طويل الأمد في صورة المجال وجاذبيته.
ومن هنا يكتسب تصدر إفران لائحة أنظف المدن الإفريقية دلالة أعمق من مجرد ترتيب رمزي؛ إنه اعتراف ضمني بنجاح نموذج تدبيري يزاوج بين صرامة الإدارة وحسّ الجمالية، بين حماية الطبيعة وصيانة الفضاء الحضري.
في النهاية، قد تبدو النظافة في المدن تفصيلاً صغيرًا في نظر البعض، لكنها في حالة افران تحولت إلى علامة فارقة، وإلى عنوان لقصة نجاح يقف وراءها عمل يومي هادئ، تقوده سلطة ترابية واعية بأن المدن لا تُقاس فقط بحجمها أو عمرانها، بل بالصورة التي تتركها في ذاكرة من يزورها.

