إحصاء القطيع يتحوّل إلى أزمة ثقة.. مربّو الماشية بين التوجس والتحايل

إحصاء القطيع يتحوّل إلى أزمة ثقة.. مربّو الماشية بين التوجس والتحايل

انتهت عملية إحصاء القطيع الوطني وسط أجواء من الريبة والاحتقان في صفوف صغار مربي الماشية، بعد أن تحوّل ما كان يُفترض أن يكون إجراءً تنظيمياً عادياً إلى مرآة عاكسة لأزمة ثقة عميقة في السياسات الفلاحية. فبعيداً عن الأرقام والتقارير، كشفت العملية عن مشهد متداخل من التحايلات، والقلق الاجتماعي، والشعور المتنامي بالتهميش.

ففي عدد من المناطق، لجأ مربّو الماشية إلى تسجيل قطعانهم بأسماء أقاربهم، خوفاً من أن تؤدي عملية الإحصاء إلى “رفع” ترتيبهم في السجل الاجتماعي الموحد، وبالتالي حرمانهم من دعم الأعلاف أو التغطية الصحية، وهي إجراءات يرون فيها نوعاً من العقاب المقنّع للفئات الهشة. وبلغ الأمر ببعضهم إلى التخلص من جزء من قطيعهم قبيل وصول لجان الإحصاء، في سلوك يفضح حجم فقدان الثقة في نوايا الدولة.

هذا التوجس يجد تفسيره في تجارب سابقة ظل فيها الدعم الفلاحي، بنظر كثير من الكسابة، رمزاً لغياب العدالة المجالية، حيث لا تتجاوز المساعدات بضعة أكياس من الشعير المدعم، تُوزّع دون شفافية، وتصل في الغالب إلى غير مستحقيها. ومع توالي مواسم الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، بات الفلاح يشعر أنه في مواجهة مصير غامض، بدون حماية ولا تحفيز.

وعلى الرغم من أن الإحصاء تمّ بإشراف مؤسساتي وتقني دقيق، فإنه فشل في تبديد المخاوف، بل زاد من حدة التوجس، خصوصاً مع الركود الذي أصاب سوق الأبقار الحلوب، وتراجع الإقبال على الاستيراد، ما وضع الشركات المختصة أمام مأزق تسويقي لم يكن في الحسبان.

مرة أخرى، يَطرح الواقع القروي أسئلته الحارقة: هل يُعقل أن تتحول سياسات الدعم إلى مصدر قلق بدل أن تكون ضمانة استقرار؟ وهل يمكن أن تنجح الدولة في تنظيم قطاع تربية الماشية دون إعادة بناء الثقة مع الفلاحين، خصوصاً الصغار منهم؟ أم أن كل ما يجري سيبقى مجرد تمرين بيروقراطي موسمي لا يُنقذ قطيعاً ولا يُحصّن قطاعاً؟

الاخبار العاجلة