
مصطفى مجبر-المغرب العربي بريس
ما نشاهده اليوم مما يصلنا من القصر الكبير وسيدي قاسم والحسيمة وتاونات والحوز ليس قدَرًا عابرًا ولا مجرد “سوء أحوال جوية”، بل فاجعة اجتماعية حقيقية. أسرٌ كانت، إلى وقت قريب، تحتمي بأسقف متصدعة، وجدت نفسها فجأة في العراء، بين الخيام ومراكز الإيواء، بعد أن جرفت الفيضانات والأمطار والثلوج ما تبقى من الأمان الهش. صور موجعة تفضح حجم الهشاشة، وتضع الجميع أمام امتحان أخلاقي لا يقبل الحياد.
في خضم هذا الألم، يفرض الغياب نفسه بصمتٍ مستفز. أين الفنانون حين غرقت البيوت؟ أين أولئك الذين يتقاضون ملايين السنتيمات في ليالٍ معدودة من المال العام لإحياء سهرات ومهرجانات ممولة من جيوب دافعي الضرائب؟ حين تُطفأ الأضواء وتُطوى الخشبات، يختفي كثيرون، وكأن علاقتهم بالجماهير تنتهي بانتهاء التصفيق.
أليست هذه الجماهير نفسها من صنعت الأسماء، ومنحت الشهرة، ورفعت “النجوم” إلى واجهة المشهد؟ أليس من أبجديات المسؤولية المعنوية أن يتحول هذا الرصيد الرمزي إلى فعل تضامن حقيقي في لحظات الشدة، لا إلى تدوينات باهتة أو صمت مطبق؟
ولا يقف السؤال عند الفنانين وحدهم. أين الشركات الكبرى التي راكمت أرباحًا هائلة من استهلاك المواطن البسيط؟ أين نجوم الرياضة ولاعبوها ومدربوها، الذين يتغنون بالانتماء حين الفوز، ويغيبون حين الامتحان؟ ثم أين أموال صندوق الكوارث الطبيعية؟ ولماذا يبدو حضوره خافتًا حين تتحول الكارثة إلى واقع يومي؟
ما نراه اليوم ليس فقط فيضانات تجرف الطين والحجر، بل فيضانات تفضح اختلال منظومة التضامن. شعارات كثيرة، بيانات جاهزة، وانتقادات متبادلة، مقابل فعل نادر وتأخر قاتل. الكارثة لا تحتاج مزيدًا من الكلام، بل تحتاج وضوحًا، سرعة، ومحاسبة.
التاريخ لا ينسى من حضر حين غرقت البيوت، ولا يرحم من اختبأ خلف الأضواء. ففي زمن الكوارث، الصمت ليس حيادًا… بل موقف.

